ما أهداف روسيا من محاربة داعش في البادية السورية؟

هل ما جعل روسيا تركّز مرة أخرى على الجوانب العسكرية في سوريا، رغبتها في تحسين موقفها، وموقف النظام التفاوضي، في أي استحقاقات سياسية متوقعة، مع إمساك واشنطن بورقة “قيصر” التي ستكون سيفاً مسلطاً على رقاب النظام وروسيا وإيران؟

قسم الأخبار

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، الجمعة 25أيلول/ سبتمبر، إن جولة جديدة من القصف الجوي بدأتها المقاتلات الروسية على مواقع تنظيم “الدولة الإسلامية” في البادية السورية، فقد تناوبت عدة مقاتلات روسية على استهداف مواقع التنظيم عند مثلث حماة – حلب – الرقة، وسط معارك كر وفر متواصلة بين عناصر التنظيم وقوات النظام وأحلافه.

التنظيم في البادية

تقول مصادر إعلامية متعددة إن للتنظيم وجوداً قوياً في البادية، خصوصاً في عدة جبال داخلها، بعدد يبلغ عدة آلاف، يتخذون من هضاب جبلية معاقل للتخفي، لا سيما جبل أبو الرجمين وجبل العمور وجبل البشري، حيث ينطلقون منها للقيام بعمليات عسكرية ضد قوات النظام والمليشيات الإيرانية.

وبعد هزيمة “داعش” في منطقة شرقي نهر الفرات أوائل عام 2019، حيث سقط معقله الأخير في بلدة الباغوز في ريف دير الزور الشرقي، انتقلت فلول التنظيم إلى البادية السورية، وقبل ذلك كانت فرت مجموعات من التنظيم إلى البادية أواخر 2017 مع تقدم قوات النظام ومليشيات إيرانية في ريف دير الزور الشرقي، كما عقد النظام صفقة مع التنظيم في جنوب دمشق وفي درعا، انتقل من خلالها آلاف العناصر من “داعش” إلى مواقع له في عمق البادية السورية.

حرب استنزاف

منذ مطلع العام الماضي، نشطت خلايا التنظيم في البادية السورية، خصوصاً في محيط مدينة تدمر وفي بلدة السخنة، وفي ريف حماة الشرقي، وفي بادية دير الزور، حيث بدأت حرب استنزاف ضد قوات النظام والقوات الروسية والمليشيات الإيرانية. واستطاع التنظيم أكثر من مرة الدخول إلى بلدة السخنة قبل أن ينسحب تحت ضربات الطيران الروسي. ووفق المرصد السوري، فقد قتل التنظيم، في ربيع العام الحالي، 661 عنصراً من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، من بينهم روسيان على الأقل، بالإضافة إلى 140 من المليشيات الموالية لإيران من جنسيات غير سورية. وأوضح أن التنظيم نفذ هجمات وتفجيرات وكمائن في غرب الفرات وبادية دير الزور والرقة وحمص والسويداء. كما وثق المرصد مقتل 4 مدنيين يعملون في حقول الغاز و11 من الرعاة، وامرأة في هجمات التنظيم، مؤكداً مقتل 273 من “داعش”، خلال الفترة ذاتها.

وأوضحت مصادر إعلامية أن عمليات “داعش” تمتد إلى ريف الرقة الجنوبي الغربي في منطقة الرصافة التي يقتل بالقرب منها بين فترة وأخرى عدد من قوات النظام المنتشرين على طول خطوط التماس مع “قسد” التي تصل مناطق سيطرتها إلى تخوم البادية السورية، ويُغير التنظيم بين فترة وأخرى على منطقة جبل الضاحك في ريف حمص الشرقي، وصولاً إلى أطراف جبل البلعاس بريف حماة الشرقي.

ووصل “داعش” أكثر من مرة إلى مواقع المليشيات الإيرانية في ريف دير الزور، كما هاجم حقول غاز في ريف حمص الشرقي خلال العام الحالي، وخصوصاً حقل الشاعر، الذي يعد من أهم حقول الغاز السورية.

جولات سابقة

كانت قوات النظام بدعم من الروس والإيرانيين، قد شنت أواخر آب / أغسطس الماضي، عملية عسكرية واسعة ضد التنظيم في البادية السورية، بعد مقتل الجنرال الروسي فياتشيسلاف جلادكيخ، بانفجار عبوة أثناء مرور موكبه في منطقة تبعد نحو 15 كيلومتراً شرق مدينة دير الزور.

وأعلن “داعش” حينذاك، مسؤوليته عن مقتل الضابط الروسي وقيادي في مليشيا “الدفاع الوطني” التابعة للنظام، عبر بيان تناقلته حسابات تابعة للتنظيم على موقع “تلغرام”، مشيراً إلى أن دورية للجيش الروسي وقعت في حقل ألغام زرعه عناصر التنظيم.

عملية الصحراء البيضاء

كانت العملية قد حملت اسم “الصحراء البيضاء”. وقال متحدث باسم القوات الروسية في سورية: “أسفر قصف نفذته القوات الجوية الروسية والقوات الجوية السورية، وكذلك قصف بالمدفعية في منطقة الصحراء البيضاء، عن تصفية 327 مسلحاً وتدمير 134 ملجأ و17 نقطة مراقبة و7 مخازن للذخيرة و5 مستودعات تحت الأرض للأسلحة والذخيرة”.

من جانبه، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن مليشيا “لواء القدس الفلسطيني”، الموالية للنظام السوري والتي تعمل بإمرة القوات الروسية، قامت أيضا، بعملية تمشيط جديدة ضمن بادية دير الزور برفقة المسلحين الموالين لقوات النظام. وبيّن أن العملية انطلقت من بادية الشولا غرب دير الزور وصولاً إلى بادية البوكمال شرقها، بحثاً عن خلايا تنظيم “داعش” المنتشرة بكثافة في المنطقة.

ما جدوى العمليات الروسية؟

يرى مراقبون أن العمليات الروسية غير مجدية، ولا يمكن أن يحقق الروس هدفهم؛ لأسباب كثيرة منها:

1/ عاد التنظيم إلى استراتيجيته القديمة القائمة على الاستقرار في البوادي النائية لحماية ما تبقّى من كوادره.
2/ البادية السورية مترامية الأطراف، وقد تحوّل جزءٌ كبيرٌ منها إلى معاقل لخلايا نشطة من التنظيم، الذي يعتمد استراتيجية قتال تقوم على الهجمات المباغتة والكمائن.
3/ التنظيم يستفيد من تضاريس المنطقة الصعبة للهروب من قصف الطيران الروسي.
4/ فلول “داعش” تعتمد استراتيجية قتالية ترتكز على الهجمات المباغتة والكمائن، من خلال مجموعة محدودة العدد قادرة على التحرك السريع.
5/ كان التنظيم يسيطر على معظم البادية السورية لمدة ثلاث سنوات، حيث كان يتحرك عناصره بيسر من الموصل شمال العراق وحتى القلمون الشرقي في ريف دمشق، ومن ثم فإن هؤلاء يعرفون جيداً هذه البادية.
6/ أقام التنظيم نقاط تمركز كبيرة في البادية إبان سيطرته على نحو نصف مساحة سورية خلال 2014 و2015. وقد أنشأ أماكن اختباء لعناصره في البادية، ما يؤكد أنه كان يستعد لهذه المرحلة منذ سنوات.
7/ الطرق التي أقامها التنظيم ما بين باديتي سورية والعراق لا تزال مفتوحة.
8/ من الصعب تمشيط هذه البادية، لأن الجغرافيا تخدم خلايا التنظيم التي تتوزع في مجموعات صغيرة، كما أن عناصر هذه الخلايا يستخدمون الدراجات النارية التي يصعب استهدافها، والتنظيم يستخدم أسلحة فردية ومتوسطة لصعوبة رصدها، بحسب تقرير لصحيفة العربي الجديد.
9/ “داعش” يعتمد على مليشيات تابعة للنظام وأخرى تابعة للحرس الثوري الإيراني في سورية، في عمليات شراء أسلحة وذخائر ومواد غذائية.
10/ لدى قادة التنظيم في البادية كتلة مالية كبيرة جلبوها معهم حين انسحابهم من العراق والشرق السوري منذ أكثر من عامين.

أهداف الروس من العمليات

يرى محللون أن أحد أهداف النشاط الروسي في البادية السورية منع الأميركيين من التقدم في المنطقة من خلال الفصائل السورية التي تدعمها، كما أن الروس والنظام يتخوفان من دعم أميركي لقوات سورية الديمقراطية (قسد)، أو أحد الفصائل التي تدعمها واشنطن، لشن عملية في البادية، وتمكينها من السيطرة على مناطق فيها، وهو ما لا ترغب به روسيا أو النظام.

مصالح اقتصادية للروس

في السياق، تسعى روسيا إلى توسيع نفوذها في البادية السورية عسكرياً واقتصادياً، وتحديداً في منطقة تدمر الأثرية ومحيطها، بهدف حماية استثماراتها النفطية والغازية هناك، فضلاً عن أهمية تدمر كعقدة طرق بين شرق سورية وغربها، لذلك فهي تحظى باهتمام جميع القوى، وخصوصاً الإيرانية، كونها على طريق الدولي الواصل إلى معبر البوكمال شرقاً وحمص والبحر المتوسط غرباً، كما أن روسيا تسعى إلى تثبيت وجودها في تلك المنطقة، استعداداً لأيّ استحقاقات مستقبلية تتعلق بمصير مناطق شرق سورية التي تهيمن عليها القوات الأميركية وتلك المتحالفة معها، كما أن روسيا استولت على مطار تدمر بشكل كامل وشرعت بإقامة قاعدة عسكرية فيه، فقد شرعوا بأعمال الحفر والتجهيزات الهندسية بهدف إعادة تأهيل المطار كقاعدة عسكرية روسية شبيهة بقاعدة حميميم في الساحل السوري، خالية من أي وجود للنظام فيها، وتكون صالحة لاستقبال الطائرات العسكرية والمدنية، متوقعاً أن تنشر روسيا في مطار تدمر مقاتلات حربية.

بحسب مصادر مطلعة، فإن الهدف الاستراتيجي لروسيا من الهيمنة على تدمر، هو أن تستثمر المطار للأغراض المدنية والسياحية مستقبلاً، كون تدمر تضم معلماً من أهم المواقع السياحية في سورية والإقليم، فضلاً عن وجود بعض البنى التحتية للسياحة في تدمر، وكان مدير متحف “إرميتاج” الروسي، ميخائيل بيتروفسكي، وقع مذكرة تفاهم مع هيئة المتاحف والآثار السورية، في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، لترميم بعض المنشآت التاريخية والقطع الأثرية في تدمر، بحسب وكالة “سبوتنيك” الروسية.

مصدر فرانس برس، المرصد السوري لحقوق الإنسان سبوتنيك، العربي الجديد مواقع التواصل، وكالات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.