مارغو… في حضرة الماضي

نعم…كنا يوماً شركاءً في الوطن الجميل.

الأيام السورية - هديل الشامي - سوريا

مازال في قلبي بقية أمل… مازال في فؤادي رجاء أعيش به… مازلت أحمل أيقونة السلام أمضي بها إلى أبعد مدار في هذا الكون لأنثر رحيق المحبة.

أرنو إلى الأفق البعيد وأعود بذاكرتي لماضٍ تداعى أمامي بنسمة حنين تحمله إليّ على أجنحتها… أعود بذاكرتي لأروي فصلاً من فصول الرحيل وأنا التي خبِرتُ ألم الغياب وقاسيتُ مرارة الشوق…

قصةَ رجلٍ “سوري” رائع… رحل مرغماً ليترك أثراً باقياً في ركن الذاكرة.

أمدّ يدي لأقطف من كرمة المحبة عناقيد اشتياق وأطرد النسيان عن بعض الذكريات المعتقة بعطر دمشق… وأغلق الأبواب بوجه الرياح القادمة من أفئدةٍ تنامى فيها الحقد واشتد بها البؤس حتى بدت كأحجار قاسية.

مازال في حضرة الماضي قصةٌ للعيش خبئتها طويلاً في ثنايا القلب، وستصرخ بها اليوم أوراقي… أحاول أن أتجنب خوفي الذي تمادى عليّ طويلاً… حيث كان الصمت هو خياري الوحيد.

أعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم الذي اصطحبتني فيه والدتي إلى  “الصيدلية” حيث رأيت ذلك الرجل بابتسامته التي لم أنساها يوماً.

“مارغو” جارنا في الحي الدمشقي العتيق… يهودي الديانة دمشقي الحب مثلي.

“مارغو” الذي لم أعرف ديانته إلا عندما كبُرت… وذلك بسبب العيش المشترك التقليدي… وكل ماعرفته ابتسامته ولطفه واهتمامه بمن حوله من أبناء الحي.

أتساءل وملأ قلبي أنين…”أمي أين عمي مارغو؟”.

تجيبني “رحل إلى بلاد أخرى ليعيش فيها”… أصمت طويلاً… كنت يومها صغيرة لا أستطيع التعبير ربما عن كل ما يدور بخاطري.

لم أنسى العم “مارغو” ولم ينساه الحي العتيق… ولابد أن المدن لا تنسى أبناءها… وتأسف لفقدهم.

وتئن المدن لوجود الكسالى الغلاظ من ذوي اللحى التي لم تفقه شيئاً عن الدين والإسلام… كم كان هناك فارق بين “مارغو” و”أسامة” شيخ المسجد العابس دائماً… “الغاضب” من كل شيء… لم يعرف إلا الانتماء للإسلام شكلاً.

رحل “مارغو” كما رحل يهود سورية الذين كانوا يعيشون بسلام بيننا…

هي السياسة … مادعاه كغيره من يهود سورية للرحيل.

التطرف ليس يهودي الديانة ولكن هناك متطرفون كثر في هذا العالم باسم “الله” يبيحون القتل والدمار… باسم الله يهدمون التراث والحضارة.

مازال في قلبي شوق للعم “مارغو” ولأخيه الطبيب الذي رحل أيضاً.

متى سيتناثر عبق السلام في هذا العالم لنعيش بالحب وعلى الحب وللحب نمضي؟

لو قرأنا صحائف الفجر لوجدناها تشتاق أبناءها… مسلمون… يهود… ومسيحيون… من الذين غادروا بفعل السياسيين الذين يستقون مياههم من رحم الحثالات والأشقياء في هذا العالم.

لو باح الليل بأسماء مكتوبة على الغيم لعرفنا أن بعضاً من يهود سورية شاركوا المسلمين والمسيحيين السوريين حتى في الألقاب…”مراد”… “قباني”… “جليلاتي”…”اللحام” وغيرهم.

شاركوهم حتى في البناء وكانوا من ذوي الصنعة الماهرة.

لا شأن لي بمن اغتصب أرض فلسطين… لاشأن لي بكل عابث متطرف… أنا فقط أشتاق لرجل من بلادي… غادر مرغماً لم يذهب لـ”فلسطين المحتلة”… فقد سمعت أمي تقول: “مارغو لا يؤمن بأفكار الصهاينة، مارغو يحب دمشق”،  واضطر مرغماً للذهاب إلى “فرنسا”.

أيها “العم” الذي لم يبق لي منك غير الذكرى والابتسامة… كم تمنيت عودتك…

هل ارتاحت مقلتاك للنظر إلى سماء غير سماء سورية؟

يأخذني حنيني دوماً إليك…

في حضرة الماضي… قلبت بعضاً من صحائف الذكرى لأخط بقلمي كلمات من ظلال السلام… أقطفها لتغفو على وجنتيها المحبة.

لن تضيع الحقيقة… لن يندثر الحق بين طيات الباطل الزهوق.

على يقينٍ مطلق بأني لن أسلم من تجريحِ الكثيرين… ولكني لن ألومهم… ألوم من زرع فينا الحقد…

نعم…كنا يوماً شركاءً في الوطن الجميل.

ننتمي لـ”سورية”… نكره “الصهاينة” مهما اختلفت مشاربنا الدينية والعرقية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.