ماذا يطبخ للأردن؟

من صحيفة النهار اللبنانية اخترنا لكم تقريرا للكاتب اللبناني امين قمورية، يتحدث فيه عن التفجير الذي تعرضت له المملكة الأردنية صباح امس الثلاثاء على الحدود السورية الأردنية وفي مدخل مخيم للاجئين السوريين في عملية انتحارية بسيارة مفخخه أودت بحياة 7 اشخاص وجرح حوالي 14 شخص والحادث الإرهابي الذي حصل أيضا في مخيم البقعه للاجئين الفلسطينيين.

ويثير الكاتب تساؤلات عن ماذا يطبخ للاردن ومن وراء هذه العمليات الإرهابية، لنتابع معا ما أورده الكاتب في تقريره:

ما كاد الأردن أن يفيق من الحادث الإرهابي الذي وقع في مدينة البقعة قرب مخيم للاجئين الفلسطينيين، حتى وقع هجوم آخر على الحدود السورية الأردنية قرب مخيم الركبان للاجئين السوريين، الأمر الذي دفع إلى التساؤل عن معنى استخدام سيارات مفخّخة في الهجوم الاخير؟ وهل هذا الهجوم من صنع محلّي ام ان انه “طُبخ” في الخارج؟

وهل يمكن نقل الحرب الدائرة في سوريا إلى الأردن، أو على الأقل أن تلقي هذه الحرب بظلالها على المملكة الهاشمية، خصوصا أن هذه العمليات الإرهابية تزايدت بشكل كبير، بعد تضيق الخناق على تنظيم “الدولة الاسلامية” في سوريا والعراق؟

وكيف ستتعامل عمان مع طوفان اللاجئين السوريين فهل ستقفل الابواب في وجههم أم تدفع بهم الى الحدود مع السعودية؟

وكان الجيش الأردني أعلن الثلاثاء عن مقتل ستة عناصر من حرس الحدود الأردني، وسقوط 16 جريحًا، في انفجار سيارة مفخخة على الساتر الترابي مقابل مخيم اللاجئين السوريين في منطقة الركبان.

وجاء هذا التفجير الإرهابي ليكون الثاني في أقل من شهر الذي يستهدف قطاع الأمن والمخابرات الأردنية، حيث وقع في السادس من تموز الجاري هجوم مسلح استهدف مركزًا للمخابرات الأردنية قرب مخيم البقعة شمال عمان، وأوقع الهجوم 5 قتلى من عناصر المخابرات.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجومين، لكن ثمّة قواسم مشتركة بينهما أبرزها:

اولا: استهداف موقعين عسكريين في كلا الهجومين، مما يعني ان هناك محاولة لـ”تحييد” الاهداف المدنية، والتركيز على العسكرية.

ثانيا: الهجوم الاحدث وقع قرب مخيم داخل الاراضي السورية قرب الحدود الأردنية، يزدحم بنحو 60 ألف لاجئ سوري منعوا من دخول الاراضي الأردنية لاشتباه بوجود نحو 2000 عنصر يناصرون “الدولة الاسلامية”، بينما وقع الهجوم السابق قرب مخيم للاجئين الفلسطينيين في محاولة للزجّ بموضوع اللاجئين، فلسطينيين كانوا، او سوريين في الصراع بين “الدولة الاسلامية” والسلطات الأردنية، وزرع بذور فتنة لإعطائه بعدًا آخر.

ثالثا: توقيت الهجومين في شهر رمضان المبارك، ينطوي على معنى ديني اسلامي، يتزامن مع مرور عامين على اعلان زعيم “الدولة الاسلامية” ابو بكر البغدادي الخلافة الاسلامية في الموصل.
لكن ما يميز بين الهجومين ان الاول نفّذه “ذئب منفرد” سوري الجنسية واسمه محمد مشارقة، بينما الثاني نُفّذ بسيارة مفخّخة للمرة الاولى في سجل العمليات الارهابية في الأردن، ما يشير الى وقوف مجموعة منظمة خلفه وليس عملا افراديًّا ام من صنع خلية صغيرة.

ويزيد من خطورة الامر أن الأردن يقع في منتصف حلقة نارية ملتهبة، فحدود الأردن مع سوريا المشتعلة بها حرب منذ خمس سنوات تزيد على 375 كليومترًا، إلى حدوده مع العراق حيث انطلق إرهاب “داعش” أيضًا، وتبلغ طول الحدود الأردنية العراقية نحو181 كليومترًا، أما حدود الأردن مع السعودية التي دخلت اخيرا على خط النزاعات الشرق أوسطية، وصارت لاعبًا أساسيًّا فيها، فتبلغ نحو 782 كيلومترًا، لتكون الأطول.

ويضاف الى ذلك وجود ثأر قديم بين التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق وبين الأردن الذي يشارك الائتلاف الدولي بقيادة واشنطن ضد تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، إضافة إلى اضطلاع المملكة بالدور الأبرز في اغتيال مؤسس التنظيم، أبو مصعب الزرقاوي.

وربما يكون تمدّد “الدولة الاسلامية” الى العمق الأردني واطرافه، التطور الاخطر بالنسبة الى الأردن، خصوصا اذا ما قرّر التنظيم المتطرف النزول الى الارض والانخراط في العمل السرّي. ومع ذلك فان التنظيم لم يعلن مسؤوليته سابقا عن أيّ عملية ضد الأردن، بما في ذلك العمليات التي نفّذتها خلايا وأفراد موالون له في الأردن، مثلما حدث في عمليّتي إربد والبقعة.

واكتفى أنصار التنظيم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بصورة غير رسمية، بـ”مباركة” تلك العمليات أما التنظيم، فرسميا التزم الصمت.

ومعلوم ان “الجهاديين” الاسلاميين الأردنيين شكّلوا إحدى أكبر المجموعات المقاتلة الوافدة إلى سوريا. وقدّرت مصادر موثوقة عدد الشباب الأردنيّين الذين التحقوا بالحركات الراديكالية بنحو 2000 شخص. ويشير الباحث حسن أبو هنيّة إلى أن ما نسبته 80 في المئة من هؤلاء يقاتلون حاليًا في صفوف “داعش”، بعدما نجح هذا التنظيم المتطرف في “أن يغذي لديهم الرغبة في الخلافة”.

وشكل مشروع المقاتلين الراديكاليين في الأردن، مشروعًا طموحًا جدًا يتعدى الدفاع عن السوريين السنّة ويسعى إلى إقامة حكومة إسلامية قائمة على الشريعة. وتكبّدت الجماعات الراديكالية الأردنية خسائر كبيرة في سوريا، وكان لمختلف المدن الأردنية مثل السلط ومعان وإربد نصيبها من أبنائها المقاتلين الذين سقطوا في المعارك.

وحسب الإحصاءات التي يُعتدّ بها وصل عدد الأردنيين الذين قتلوا في سوريا حتى الآن إلى 350 قتيلاً، كما ألقت أجهزة الاستخبارات القبض على نحو 400 مقاتل.

منذ اشهر تجاوز المسؤولون الأردنيّون حالة الإنكار والتجاهل لصعود التيار المتطرف والمجموعة المؤيّدة لـ”داعش” في الأردن، وباتوا يدركون أنّ هذا التيار يتضاعف في حجمه. وعلى رغم ان احدًا لا يملك إجابة واضحة عن حجم التيار الجهادي، لا سيما انصار “داعش” في الأردن، إلا ان ثمة إجماعًا على ان المملكة أمام تيار لا ينمو فقط في أحشاء المجتمع، بل يتضاعف بصورة ملحوظة.

والخطورة لا تقف عند حدود هذه الزيادة الملحوظة في أعداد الانصار والملتزمين، بل تظهر أيضا في أنّ الظروف الإقليمية والمحلية، لا سيما مع احتدام الصراعات المذهبية وتراجع التيار الاسلامي المعتدل لمصلحة المتطرفين.

وما يدفع إلى مضاعفة حجم القلق، هو أنّ نوعية الشباب الذين ينتمون إلى التيار السلفي الجهادي، قد اختلفت، وأصبحت أفضل من الناحية العلمية والاجتماعية، فهناك اليوم أساتذة جامعات ومعلّمو مدارس وطلاب جامعات ومهندسون وأطباء ومحامون وسياسيون ينشطون مع هذا التيار ويؤمنون بأفكاره.

وما زاد في الطين بلّة ان الأردن يعيش ظروفا اقتصادية صعبة بسبب تراجع المساعدات الخليجية، الامر الذي دفع بحكومته على رفع اسعار السلع الاساسية بنسبة كبيرة في شهر رمضان، ما سيؤدي الى زيادة معاناة المواطنين، من الغلاء ورفع الاسعار، وهذا بدوره سينمي حالة التذمر المتصاعدة اصلا.

وازاء تفاقم مشكلة اللاجئين أمنيًّا ومعيشيًّا تعالت اصوات عدة داخل الأردن تطالب بفتح الحدود الأردنية السعودية امام تدفق اللاجئين السوريين، مثلما فعلت تركيا عندما فتحت حدودها امامهم نحو اوروبا، كما طالب نواب الحكومة باتخاذ قرار بإغلاق الحدود مع العراق وسوريا.

الأردن مرة اخرى في عين العاصفة، قد لا تكون الهجمات الاخيرة مرتبطة فقط بـتنظيم “داعش” وفكره الارهابي، بل يمكن ان تكون مرتبطة بقوى اقليمية تسعى الى الهرب من أزماتها الداخلية وتصديرها الى خارج، او قوى دولية لديها اجندات خاصة في إطار إعادة ترتيب المنطقة وفقا لخرائط وترتيبات جديدة لا سيما منها في ما يتعلق بايجاد حلّ للقضية الفلسطينية المستعصية، فهل ينجو هذا البلد من مصير جيرانه ام يكون الحلقة الضعيفة في النظام الاقليمي الذي رسمه قبل مئة عام اتفاق سايكس- بيكو؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.