ماذا تعرف عن مصطلح تعويم العملة وانهيار اتفاقية بريتون وودز؟

دافع منظرو المدرسة النقدية في الاقتصاد عن تعويم العملات، زاعمين أن تحرير أسعار الصرف سيجعلها تعكس الأساسيات الاقتصادية لمختلف البلدان، وسيقود بالتالي إلى إعادة التوازن للعلاقات التجارية وحسابات المعاملات الجارية باستمرار وبشكل آلي.

قسم الأخبار

تعويم العملة مصطلح مالي، يعني جعل سعر صرف هذه العملة محررا بشكل كامل، بحيث لا تتدخل الحكومة أو المصرف المركزي في تحديده بشكل مباشر. وإنما يتم إفرازه تلقائيا في سوق العملات من خلال آلية العرض والطلب التي تسمح بتحديد سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية.

وتتقلب أسعار صرف العملة العائمة باستمرار مع كل تغير يشهده العرض والطلب على العملات الأجنبية، حتى إنها يمكن أن تتغير عدة مرات في اليوم الواحد.

أنواع التعويم

1/ التعويم الخالص: يتم ترك تحديد سعر الصرف لقوى السوق وآلية العرض والطلب بشكل كامل، وتمتنع الدولة عن أي تدخل مباشر أو غير مباشر.

2/ التعويم المُوجَّه: يتم ترك تحديد سعر الصرف لقوى السوق وآلية العرض والطلب، لكن الدولة تتدخل (عبر مصرفها المركزي) حسب الحاجة من أجل توجيه أسعار الصرف في اتجاهات معينة من خلال التأثير في حجم العرض أو الطلب على العملات الأجنبية.

ما رأي أنصار التعويم؟

دافع منظرو المدرسة النقدية في الاقتصاد (ميلتون فريدمان نموذجا) عن تعويم العملات، زاعمين أن تحرير أسعار الصرف سيجعلها تعكس الأساسيات الاقتصادية لمختلف البلدان (النمو، الرصيد التجاري، التضخم، أسعار الفائدة)، وسيقود ذلك بالتالي إلى إعادة التوازن للعلاقات التجارية وحسابات المعاملات الجارية باستمرار وبشكل آلي.

ويرى هؤلاء الاقتصاديون، على غرار التيار الكلاسيكي الجديد في الاقتصاد، أن تحرير جميع الأسعار، أسعار السلع والخدمات، أسعار الفائدة، أسعار العمل (الأجور)، أسعار النقد الأجنبي (أسعار الصرف) وترك تحديدها للأسواق من دون أي تدخل أو توجيه من الدولة، يضمن دائما الوصول إلى حالة التوازن.

مبرراتهم

يبرر هؤلاء اقتناعهم بتعويم العملة قائلين إن أي عجز تجاري سيؤدي إلى طلب مكثف على العملات الأجنبية، مما سيؤدي إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وبالتالي إلى تعزيز القدرة التنافسية للبلد المعني.

وهذا كفيل، حسب قولهم، بزيادة الصادرات والحد من الواردات، فيعتدل بذلك عجز الميزان التجاري ويعود إلى حالة التوازن. والمنطق نفسه يعمل في اتجاه عكسي في حال وجود فائض تجاري.

وقد رحب أنصار التعويم كثيرا بتبني الاقتصادات الكبرى في العالم لأنظمة أسعار الصرف العائمة (المرنة)، بعد انهيار اتفاقية بريتون وودز في سبعينيات القرن الماضي، التي كانت قد أرست من قبل منظومة نقد دولية تقوم على أسعار صرف ثابتة (لكنها قابلة للتعديل) بين العملات.

اتفاقية بريتون وودز

بادرت الحكومة الأميركية إلى دعوة 44 دولة للاجتماع في يوليو/تموز 1944 بمدينة بريتون وودز في ولاية نيو هامبشير للاتفاق على نظام نقدي دولي جديد، بغية تأمين الاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي.

صورة تعبيرية (ترابينك)

وكان من المؤمل أن يوفر النظام الجديد حرية التجارة ويمد الدول الأعضاء بالسيولة الكافية، ويضمن عدم فرض القيود والعوائق في وجه المعاملات الدولية.

تهدف اتفاقية بريتون وودز (Bretton Woods Agreement Forex Markets) إلى إيجاد نوع من الثبات في السياسات النقدية وأسعار الصرف بين دول العالم عبر وضع البنية التحتية لتنقل رؤوس الأموال بين الدول كأساس لتسهيل التجارة العالمية.

وخرجت حينها وبعدها المؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة والاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة “غات”) لتدعم التوجه العام السياسي والاقتصادي للاتفاقية.

وفي مؤتمر بريتون وودز برزت هيمنة الولايات المتحدة وسيطرتها على أعماله، إذ اعتمد المؤتمر في مقرراته اعتماداً أساسياً “خطة هوايت” التي تعكس وجهة النظر والمصلحة الأميركيتين واستبعد “مشروع كينز” الذي يمثل مصلحة بريطانية.

يمكن أن يعد نظام ثبات أسعار صرف العملات حجر الزاوية في مؤتمر بريتون وودز، إذ يقوم هذا النظام النقدي الجديد على أساس “قاعدة الصرف بالدولار الذهبي” وعلى أساس “مقياس التبادل الذهبي”، وبذلك تحول الدولار الأميركي من عملة محلية إلى عملة احتياط دولية. ما يعني أنه يجب على كل دولة أن تحدد قيمة تبادل عملتها الوطنية بالنسبة إلى الذهب أو بدولار الولايات المتحدة على أساس الوزن والعيار النافذين في أول يونيو/حزيران 1944، أي الدولار الواحد يساوي 0.88671 غرام من الذهب الصافي.

التزمت الولايات المتحدة أمام المصارف المركزية للدول الأعضاء بتبديل حيازتها من الدولارات الورقية بالذهب وعلى أساس سعر محدد وثابت وهو 35 دولاراً للأونصة، وبذلك تساوى الدولار بالذهب في السيولة والقبول العام به احتياطياً دولياً.

استمر العمل بهذا النظام حتى 15 أغسطس/آب 1971 عندما أعلن الرئيس الأميركي نيكسون وقف قابلية تبديل الدولار إلى ذهب وهو أهم أركان نظام بريتون وودز. ولقد حقق هذا النظام في أول الأمر نجاحاً ملحوظاً في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي والنقدي الدولي.

تصدع نظام بريتون وودز

رغم تعديل اتفاقية بريتون وودز مرتين فإن آلية ثبات سعر صرف العملات ألغيت تماماً من الناحية العملية، وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة “التعويم” التي تعني ترك سعر صرف العملة يتحدد بحرية وفق آلية العرض والطلب في الأسواق.

تصدع نظام بريتون وودز في صيف 1971 بعد أن تراجعت الولايات المتحدة رسميا عن التزامها بتحويل جميع الدولارات المتداولة في العالم إلى الذهب، وفق السعر الذي حددته الاتفاقية عام 1944 (كل 35 دولارا أميركيا يعادل أوقية من الذهب).

انهارت قيمة الدولار مقابل الذهب ولم تعد العملة الخضراء -غير المدعومة بالذهب والخاضعة حصرا لحسابات السياسة النقدية الأميركية دون أي اكتراث لمصالح بقية العالم- معيارا دوليا يحظى بثقة الجميع.

كما أصبح الحفاظ على سعر صرف ثابت مقابل الدولار أمرا غاية في الصعوبة بالنسبة للعديد من القوى الاقتصادية في العالم، فبدأت هذه الأخيرة باعتماد أنظمة صرف عائم تترك بمقتضاها حرية تحديد قيمة العملات الأجنبية للسوق بناء على قانون العرض والطلب.

خيبة أمل

بعد عدة عقود من اعتماد أنظمة أسعار الصرف العائمة وتعميمها على عدد كبير من بلدان العالم (بما في ذلك البلدان النامية)، لم ينجز تعويم العملة وعوده بإعادة التوازن إلى الموازين التجارية للعالم، ولم تتحقق آمال أنصاره.

فأسعار الصرف الجارية ابتعدت كثيرا عن المستوى المفترض أنه يقود إلى التوازن، وأكبر شاهد على ذلك هو حجم الاختلالات العالمية (Global Imbalances) التي وصلت إلى مستويات قياسية ولا تزال عصية على المعالجة.

فالولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية إضافة إلى بلدان نامية عديدة تعرف حالة عجز تجاري هيكلي منذ عدة عقود، وفي المقابل تعرف الصين وألمانيا واليابان والدول المصدرة للنفط فائضا تجاريا هيكليا.

وبدلا من أن يضمن تعويم العملات إعادة التوازن للعلاقات التجارية الدولية، عرف العالم حالة من عدم الاستقرار النقدي بسبب التقلبات المستمرة لأسعار الصرف ومعدلات تغيرها الكبيرة، التي لا تخضع أحيانا لأي منطق عقلاني بسبب العوامل النفسية التي تؤطر حركة المضاربين العالميين.

مصدر الجزيرة الموسوعة السياسية
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.