ماذا تعرف عن المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد؟

شكّل “الاستشراق” منذ أواخر القرن الـ18 أسلوبا غربيا للسيطرة على الشرق، مؤكدا أن دراسة الشرق من قبل الغربيين هي دراسة منحازة مدفوعة بأغراض استعمارية، ووجهات نظر مسبقة، ونظرة دونية لشعوب الشرق مهما حاولت أن تبدو علمية وموضوعية.

الأيام السورية؛ محمد محسن

الولادة والنشأة

ولد إدوارد سعيد في القدس في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، سنة 1935لأب يحمل الجنسية الأمريكية، وعاش حتى عمر 12 سنة متنقلاً بين القاهرة والقدس، ثم التحق بالمدرسة الإنجليكية ومدرسة المطران في القدس سنة 1947.

درس إدوارد سعيد بكلية فكتوريا في الإسكندرية؛ وطرد منها سنة 1951 لكونه مشاغبا؛ فأرسله والده إلى مدرسة داخلية نخبوية في الولايات المتحدة في ماساتشوستس وقد ذكر سعيد بأنها كانت سنة تعيسة؛ فقد شعر فيها بخارج المكان.

تابع دراسة الفن وحاز على إجازة بها من جامعة برنستون سنة 1957 وماجستير بالفن سنة 1960 ثم حصل على شهادة الدكتوراه باللغة الإنكليزية والأدب المقارن سنة 1964 من جامعة هارفرد. وقد كان متقنا للغة الإنكليزية والعربية والفرنسية، وألم بالإسبانية والألمانية والإيطالية واللاتينية.

قضى سعيد معظم حياته الأكاديمية أستاذا في جامعة كولومبيا في نيويورك، لكنه كان يتجول كأستاذ زائر في عدد من كبريات المؤسسات الأكاديمية مثل جامعة يايل وهارفرد.

نشاطه السياسي

شارك إدوارد سعيد طوال حياته في الجهد المبذول من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، وكان عضواً مستقلاً في المجلس الوطني الفلسطيني طوال الفترة الممتدة ما بين 1977 إلى 1991؛ وهو ومن أوائل المؤيدين لحل الدولتين. وقد صوت سنة 1988في الجزائر لصالح إقامة دولة فلسطين ضمن المجلس الوطني الفلسطيني.

استقال في سنة 1991 من المجلس الوطني الفلسطيني احتجاجاً على توقيع اتفاقية أوسلو، وقد شعر بأن بنود وشروط الاتفاق غير مقبولة وهو ما رفض من قبل في مؤتمر مدريد 1991. وقد رأى أن اتفاقية أوسلو لن تقود إلى إقامة دولة فلسطينية حقيقية، ولاسيما أن مثل هذ الخطة رفضت سنة 1970 من قبل ياسر عرفات عندما عرضها إدوارد سعيد بنفسه على عرفات نيابةً عن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

علق على الاتفاقية بأن ياسر عرفات قد فرط في حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضي الـ 48 وتجاهل تنامي الاستيطان. وقد بلغت العلاقة بين إدوارد سعيد والسلطة الفلسطينية ذروة التوتر سنة 1995 عندما منعت السلطة الفلسطينية بيع كتب إدوارد سعيد في أراضيها. لكن الأمور عادت إلى مجاريها بعد أن أشاد برفض ياسر عرفات التوقيع على اي اتفاقية في قمة كامب ديفيد 2000.

ساهم إدوارد سعيد في سنة 2003 مع حيدر عبد الشافي وإبراهيم الدقاق ومصطفى البرغوثي في تأسيس المبادرة الوطنية الفلسطينية والتي هدفت إلى تأسيس قوة ثالثة في السياسية الفلسطينية الديمقراطية منافسة لفتح وحماس.

مزج سعيد بين الفكر والثّقافة والأدب والفنّ، وعاش بسبب أفكاره حياةً صعبة، حفّتها المخاطر، والمطاردة حتّى نهاية حياته، لدرجة أنّ عصبة الدّفاع عن اليهود أطلقت عليه لقب “نازيّ” لمعاداته للصّهيونيّة.

محمود درويش وإدوارد سعيد (فيسبوك)

ومن أبرز مؤلفاته وبحوثه:

في الاستشراق

يعد كتابه” الاستشراق” من أهم الكتب التي تناولت علاقة الشرق بالغرب، وفيه فكك البنية المعرفية لإنتاج المستشرقين، وعلاقة الاستشراق بالمشروع “الإمبريالي الغربي”، وفي الكتاب نظر سعيد كمفكر ورائد في دراسات ما بعد الاستعمار، إلى الاستشراق باعتباره توظيفا سلطويا للمعرفة بالشرق، حيث يتمّ تنميطه؛ تمهيدا لاستعماره والسيطرة عليه.

ومن كتبه في هذا المجال، “تغطية الإسلام” وهو كتاب صدر سنة 1981 ويعتبره سعيد الجزء الثالث والمكمل لكتابه الاستشراق. ويحاول من خلال هذا العمل رصد النظرة الحديثة الغربية للعالم الشرقي. لذلك يرصد ردود فعل العالم الغربي وخصوصاً الأمريكي تجاه العالم الإسلامي، كما رصد فيه سعيد الطبيعة الاختزالية لدراسات الاستشراق وإنتاجه، وكيف تحولت إلى دراسات “إقليمية”، وتم استنفاد جهود باحثين جادين أو واعدين ليصبحوا في النهاية “خبراء مناطق”، يتم تجنيدهم في دوائر الاستخبارات والدبلوماسية والعسكرة الغربية، وكشف في الكتاب علاقة الدراسات الغربية حول الشرق بالسلطة والنزعات السياسية، والاستثمارات الكبيرة التي خصصت لها.

نقد إدوارد سعيد في الطبعة المنقحة لكتاب “تغطية الإسلام” الصادر سنة 1997 التقارير المنحازة للصحافة الغربية وخصوصاً وسائل الإعلام حول المؤامرات الإسلامية لتفجير المباني، وتسميم المياه وتخريب الطائرات التجارية. وقد عارض إدوارد سعيد السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وفي العديد من الأماكن الأخرى، منتقداً مشاركة الولايات المتحدة في كوسوفو وقصف العراق أثناء ولاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، كما كان الدعم الأمريكي لإسرائيل موضع نقد متواصل من قبله.

في القضية الفلسطينية

كتب سعيد كتاب “القضية الفلسطينية” سنة 1978 منطلقاً من بداية الأحداث بولادة الحركة الصهيونية وانتشار ايدولوجيتها ضمن الثقافة الاستعمارية الأوروبية وتشجيع اليهود إلى الهجرة إلى أرض فلسطين وفي نفس الوقت يعرض نبذة حول تاريخ الشعب الفلسطيني مقدماً عرضاً شاملاً حول الخصائص الديموغرافية والاجتماعية المميزة لهذا الشعب.

وفي نقده لاتفاقية أوسلو ألف كتابين هما: “غزة أريحا: سلام أمريكي ” و”أوسلو: سلام بلا أرض ” سنة 1995 ينقد فيها هذه الاتفاقية.

المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (الجزيرة)

في الأدب والنقد

أوّل أعمال إدوارد سعيد، هو كتاب “جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية ” الصادر سنة 1966، ثم نشر كتاب “بدايات: القصد والمنهج ” سنة 1974 ليشرح الأسس النظرية للنقد الأدبي. ومن بين كتبه النقدية “العالم والنص والناقد” سنة 1983 وهو يمثل انطلاقة جديدة للنظرية الأدبية المعاصرة، والذي يبين أن التأثيرات الأيدولوجية للناقد تسهم في فرض أعمال أدبية لتلبية تلك النظرية أو هذا النظام الأيديولوجي.

نشر كتاب “تمثلات المثقف” سنة 1994 وهو عبارة عن مجموعة محاضرات عن ظهور المثقف الإعلامي والتمايز بين أنواع المثقفين: بين مثقفين يرتبطون بمؤسسات تستخدم المثقفين لتنظيم مصالحها واكتساب المزيد من السلطة والسيطرة إي أن وظيفتهم تغيير العقول وتوسيع الأسواق ومثقفين تقليديين يقومون بعمل ما ويواصلون القيام به من دون تغيير جيلا بعد جيل، مثل المدرس والراهب والإداري، وكذلك بين مثقفين نخبويين يعتبرون أنفسهم ضمير الإنسانية.

في الموسيقا

عبر إدوارد سعيد عن اهتماماته الموسيقية من خلال كتاب “متتاليات موسيقية” سنة 1991 فكان قادراً على ربط الموسيقا ببعدها الثقافي والسياسي. ولم يكن إدوارد سعيد من محبي الموسيقا فقط، بل كان عازف بيانو بارعا. كما ألف ثلاث كتب حول الموسيقا، وهي متتاليات موسيقية وكتاب المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع بالاشتراك مه دانييل بارينبويم، وآخر كتاباته بعنوان عن النموذج الأخير: الموسيقى والأدب ضد التيار. رأى سعيد في الموسيقى انعكاسا لأفكاره في الأدب والتاريخ، ووجد إمكانية حياة حقيقية في أجزائه وانجازاته الجريئة.

أسس في سنة 1999 بالاشتراك مع صديقة دانييل بارينبويم أوركسترا الديوان الغربي الشرقي، وتتألف الفرقة من شبان من فلسطين وإسرائيل وبعض الدول العربية المجاورة، وقد أدت معزوفاتها على نطاق عالمي بما فيها فلسطين وإسرائيل. عمل مع بارينبويم على تأسيس مؤسسة بارينيوم-سعيد وكان مقرها إشبيلية. وقد تلقت هذه المؤسسة تمويل من قبل الحكومة في سنة 2004 ووضعت المؤسسة أهدافا تتضمن “التعليم من خلال الموسيقى” بالإضافة إلى إدارة فرقة أوركسترا الديوان الغربي الشرقي. كما ساعدت المؤسسة في عدة مشاريع مثل أكاديمية دراسات الأوركسترا، والتربية الموسيقية في فلسطين ومشروع التعليم الموسيقي المبكر للأطفال في إشبيلية.

في السيرة الذاتية

كتب سعيد كتاب “خارج المكان”، وهو مذكّرات فيها قصّة استثنائيّة عن المنفى والارتحال والماضي والشّخصيّات المؤثّرة في حياة إدوارد سعيد.

وفي الكتاب الذي صدر بعد رحيله “عن الأسلوب المتأخر”، تساءل إن كان المرء يزداد حكمة مع تقدمه في السن؟ وهل هناك مؤهلات فريدة في الرؤية والشكل يكتسبها الفنانون بسبب العمر في الفترة المتأخرة من سير حياتهم؟

وركز على الفترة الأخيرة أو المتأخرة من حياة الأدباء والفنانين الذين يتحدث عنهم وعن أعمالهم، تلك الفترة التي يسميها بفترة تحلل الجسد واعتلال الصحة، أو حلول عوامل أخرى تحمل إمكانية النهاية قبل الأوان حتى لمن لم يتقدم به العمر.

يحمل الكتاب عنوانا فرعيا “موسيقى وأدب عكس التيار”، ويحوي 7 فصول، هي: “اللازمني والمتأخر”، و”عودة إلى القرن الـ18″، و”مدرسة العشاق، عند الحدود”، و”عن جان جينيه”، و”نظام قديم يتباطأ”، و”العازف المُعجز مثقفا” و”لمحات من الأسلوب المتأخر”.

ويعتقد صاحب سيرة “خارج المكان”، أن كل امرئ يستطيع تقديم أدلة جاهزة للكيفية التي تتوج بها الأعمال المتأخرة سيرة حياة من السعي الجمالي.

وفاته

بعد صراع دام لـ 12 عشر عاماً مع مرض ابيضاض الدم الليمفاوي المزمن (اللوكيميا). توفي في إحدى مستشفيات نيويورك في صباح 25 سبتمبر 2003عن عمر ناهز 67 عاما وكان قد أوصى أن ينثر رماده في دولة عربية واختار لبنان، ونقل رماده في 30 أكتوبر 2003 إلى لبنان في مقبرة برمانا الإنجيلية في جبل لبنان.

مصدر (إدوارد سعيد، الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق) (حدود الهوية القومية، نقد عام) (موقع سطور)، (موقع أبجد)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.