ماذا بعدَ سحبِ يدِ إيران من ورقة إدلب؟ 

سريعًا قرأ بوتين موقف حلف الناتو، في اجتماعه الأخير، في: 11/ 7، بخصوص العلاقة مع تركيا، و هو الاجتماع الأبرز الذي حضره الرئيس أردوغان، بعد يومين من بدء عهد جديد دشنته تركيا، في ظلّ العهد الرئاسيّ، الذي يمثل الجمهورية الثالثة، لثاني أكبر قوة في هذا التحالف، الذي ينظر إلى روسيا على أنّها وريثة الاتحاد السوفييتي، الذي أنشئ هذا التحالف أساسًا، لمواجهة نفوذه عقب الحرب العالمية الثانية، في: 4/ 4 / 1949.

حيث اتفق قادته على زيادة الاحتياطات الأمنية تجاه الخطر الذي يهدّد الحدود الجنوبية لتركيا، و دعمها في صراعها مع التنظيمات الإرهابية، ممثلةً بالاتحاد الديمقراطي، و وحدات الحماية الشعبية التي تُعدُّ امتدادًا ( PKK ) في الساحة السورية، و أنّهم سيكونون يدًا واحدةً من أجل الحفاظ على هذا الاتفاق وتطبيقه بشكل كامل.

ليأتي بعده الاتصال الهاتفي بينه و بين أردوغان، في: 14/ 7، للتباحث حول العلاقات الثنائية و القضايا الإقليمية، و في مقدمتها الملف السوريّ، حيث أشار أردوغان إلى أنّ أيّ تقدم لقوات النظام نحو محافظة إدلب، بطريقة مماثلة لما حصل في درعا، يعني تدميرًا لجوهر اتفاق أستانا، ولاسيّما الاجتماع المرتقب له، يومي: 30،31/ 7، في مدينة سوتشي الروسية، الذي ستشارك فيه المعارضة السورية، بالتزامن مع اللقاء الثنائي، الذي سيجمع كلًّا من الرئيسين في جوهانسبورغ، في دعوة من روسيا إلى تركيا لحضور قمة دول بريكس.

هذا فضلاً على اللقاءات الأخرى التي حصلت بين قادة الفصائل، و وجهاء اجتماعيين، و مسؤولين أتراك، أكدّ فيها الجانب التركي على استبعاد أيّ تصعيد عسكريّ من النظام و حليفيه الإيرانيّ نحو إدلب، ولاسيما في ظلّ عدم تناغم روسيا مع هذه الرغبة.

الأمر الذي أكّده اتفاق استكمال إخراج الميليشيات الإيرانية من ( الفوعة و كفريا )، برعاية ( تركية ـ روسية )، و تعنّت إيرانيّ واضح؛ كي تبقي منهما ذريعة لأيّ تصعيد عسكريّ مستقبلًا، و قد أشارت مصادر مطلعة أنّ الرسائل التي وصلت إليها من روسيا، باحتمال تصعيد عسكريّ من الفصائل نحو مليشياتها في جبل عزان و منطقة الساحل، و برضا و دعم تركيّ، قد جعلها تمضي في إتمام هذا الاتفاق بالشكل الذي ظهر فيه، و قد مثَّل لها بحسب المراقبين خسارة لآخر و أهمّ ثكنتين في محافظة إدلب، الأمر الذي يحمل دلالة كبيرة على أنّ قطار التغيير الديمغرافي باتَ يتوقّف في مناطق محسوبة عليها، و لو أخذ الأمر بمنطق النسب؛ لكانت النسبة كبيرة عليها.

و بذلك تكون روسيا قد أبعدت إيران عن ملف الشمال السوريّ؛ ليكون بعد الآن محصورًا بين الثنائية ( الروسية ـ التركية )، و برعاية أمريكية، و هو ما سينعكس حتى على رغبات النظام، في ضمّه إلى مناطق سيطرته؛ إذْ سيفقد بموجبه الدعمَ اللوجستيَّ الإيرانيّ، مثلما بات الدعمُ الروسيُّ خارج حساباته، بعد نأي روسيا بنفسها عن أيّ تصعيد محتمل نحو إدلب، حسبما أبلغت بذلك القيادة الروسيةُ النظامَ، عقب الاتصالات التي تمّت مع الأتراك، و عقب قمة هلسنكي ( الأمريكية ـ الروسية ).

و عليه فإنّ أكثر المراقبين يروون أنّ على عموم الفصائل في إدلب أن تتجه إلى تأسيس مشروع وطني جامع، و إعلان انتهاء المرحلة الفصائلية، من خلال تشكيل جيش وطني، و دمج المؤسسات القائمة في الداخل مع الأخرى في الخارج، و الخروج بمؤسسات تضمّ الجميع، و تحت مظلة المؤسسات الثورية المعترف بها في أروقة الأمم المتحدة، و المنظمات و التفاهمات ذات المرجعية الأممية و الدولية، و تحت نظر الراعي التركي تحديدًا، و الانتهاء من المناكفات الداخلية، و التوقّف عن المشاريع السياسية ذات الأبعاد الآيديولوجية العابرة للحدود، التي كلّفت السوريين كثيرًا، و أخرجتهم من دائرة التأثير، و أعطت الذرائع للدول في التنكُّر لمطالبهم المحقة، بذريعة تصنيف عدد من هذه الفصائل ضمن قوائم الإرهاب الدولية.

مثلما على الحواضن المجتمعية أن تنأى بنفسها عن دائرة تأثير الجيش الإلكتروني، و حبسها في إطار ما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار التصعيد العسكري الذي سيجتاحها، و لن يبقي أو يذر؛ فقد تبيّن أن تفاهمات أستانا لم يكن في جدول أعمالها غير منطقة خفض التصعيد الرابعة، و أنّ ما عداها من المناطق الثلاث الأخرى كانت خارجها، و قد رعتها أطراف و دول ليست ذات تأثير كمصر أو الأردن، أو دول قوية لكنها انساقت وراء مصالح كبيرة، كالولايات المتحدة، التي نفضت يدها عن الجنوب، لحساب إسرائيل، التي لم تمانع في عودة النظام مقابل التنازل عن الجولان، و هو ما بدأت أولى ملامحه، من خلال قيام الكونغرس الأمريكي بخطوات الاعتراف به، كجزء من إسرائيل، و غير بعيد أن ينتهي النقاش فيه قريبًا، على غرار ملف القدس عاصمةً لإسرائيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.