ماء المخلل

ركبنا الترامواي القادم من “أكسراي”، كانت الطرقات مزدحمة، استغرقنا ما يقارب النصف ساعة لاجتياز “كاراكوي”، وكان الجو معتماً عندما وصلنا إلى “غالاتا ساراي” كنت أحس أن معدتي مهروسة.

رفعت إيلجاز
الترجمة عن التركية: نور عبدالله

صادفت نيازي في “أكسراي”، كنّا نقضي مشاويرنا داخل المدينة في تلك الأيّام دون أن نستقلّ الحافلات، كنّا نشيطين دائماً، تأبّطتُ ذراعه، وبدأنا نسير باتجاه “لالالي”، قلت لنفسي فلأفتح الحديث:
– هل تكتب الشعر؟
– وماذا بإمكاني أن أفعل غير ذلك!؟ وتابع:
– “الجيد في الموضوع أن المجلات لا تطلب منّا نقوداً مقابل نشرها.”
وبدأ بقراءة أحدث أشعاره بأعلى صوته، دون أن يعطي أدنى انتباه للمارّين عبر تلّة “لالالي”، عندما اقتربنا من موقف الحافلات، كان قد خَفتَ صوته، فقلتُ:

– لا يحتمل يا نيازي… لا يمكن احتماله على معدة فارغة.. على الأقل لو ذهبنا إلى المقهى!!
بحث نيازي في جيوبه وأخرج كل ما فيها من عملات معدنية
– هذا كل ما لديّ..
– كنت أودُّ أن أقرأ على مسامعك أشعاري الجديدة في مطعمٍ، ونحن نقرع كؤوس الشراب، ولكن.. ما باليد حيلة..
– لا يهم، يمكن أن أسمعها في المقهى أيضاً، لنأخذ كعكتين من السميد وكأسين من الشاي
كان نيازي يفكّر بشيء ما، إذ كان في صلب الموضوع طعام وشراب، رأيته يفتل شاربيه ويفكّر، وغالباً ما يخرج من التفكير بفكرة.
– هل ترى عليّاً هذه الأيام؟، قال:

– لا، لا أراه
– لن يُرى طبعاً، سمعت أن أموره جيّدة، وأنه يعرض الأزياء في مقهى “نيسواز”
قديماً كان علي يأتي إلى مقاهي “بيازيد” التي كنّا نجتمع فيها، يجمع ما تيسّر من نقود ثلاثة من هذا وخمسة من ذاك، ليكون له نصيب من جلسات الشراب التي كنّا نقيمها فوق بائع الكفتة، وكأنَّ البرق لمع في ذهن نيازي:

– وجدتها… سوف نذهب إلى “غالاتا سراي”
– وماذا يوجد في غالاتا سراي؟
– علي.. عليّنا… يجتمع مع أصحابه الجدد في هذه الساعة، العرق… الشراب… بلا حدود.. إنه الوقت المناسب، فلنذهب إليه.
أُعجب نيازي نفسه بإيجاده:
– خارق..
خارق.. كانت هذه المفردة موضةً تلك الأيّام، وعلي كان أكثر من يستخدمها، حتّى عندما كان يسمع أشعار إلهان الرديئة كان يقول: خارق..
أعاد نيازي عدَّ نقوده، ولم يكن لدي قرشٌ أعمى أضيفه عليها، أخذ نيازي منها ما يكفي أجرة طريق لنا ورماها في زاوية جيبه، وضغط ما تبقى في كفه وقال:

– هيّا بنا إلى بائع المخلل أولاً..
– مااذااا!! هل جننت؟ مخلل على معدةٍ فارغة!!
كان يقبض على ذراعي ويسحبني باتجاه بائع المخلل على الطرف المقابل للمحطّة،
– مثلما الشعر لا يؤخذ على معدة فارغة، لا يؤكل المخلل بتاتاً على جوع..
– ليس مخللاً… بل ماء المخلل.
– ماء المخلل!! وبماذا ينفع ماء المخلل؟!
– يفتح الشّهيّة.. ألسنا ذاهبين إلى وليمة!
– معدتي تحرقتي من الجوع، لا ينقصني ماء المخلل أبداً.
– كفاك كلاماً، هيّا..
دخلنا إلى الدّكان، وتوجه نيازي إلى البائع ذو العَرَقيّة:
– نريد كأسين من ماء المخلل، على عجل.
شرب نيازي ماء المخلل الذي صبّه البائع من المغرفة دفعةً واحدة، وقال:

– صبَّ لي كأساً ثانياً.
وعندما فرغ كأسي سحبه من يدي ومدّه للبائع، قلت له:
– يكفي، لا أستطيع شرب المزيد.
– لا، يجب أن تشرب، سوف تشرب. فشربت الكأس الثاني رغماً عنّي.
– أليس جيداً؟ قال وهو يتأبط ذراعي.
– معدتي تحترق.
– ومعدتي أيضاً، اللحم جيد بعد ماء المخلل، مع كأسين من الشراب..
ركبنا الترامواي القادم من “أكسراي”، كانت الطرقات مزدحمة، استغرقنا ما يقارب النصف ساعة لاجتياز “كاراكوي”، وكان الجو معتماً عندما وصلنا إلى “غالاتا ساراي” كنت أحس أن معدتي مهروسة، قال نيازي:

– الحمد لله، وصلنا.
لم يكن الوصول صنيعاً وإنّما الهجوم على عليّ في المطعم، كنّا نمشي بعجلة ونحن نصطدم بالمشاة حولنا، دخل نيازي مسرعاً الزقاق، وأنا من خلفه، وقف على باب مطعمٍ منتظراً لحاقي به، قبض على ذراعي وسحبني إلى الداخل
– هذا هو المكان
كان المطعم مزدحماً، وقفنا مدّة أمام الباب، ليرانا علي إن كان في الداخل ويدعونا إلى طاولته،
لم يأتِ أحد، خطونا عدة خطوات باتجاه الدّاخل
– ألم يأتِ بعد؟ّ قلت
– لا يتأخر إلى هذه الساعة
امتدت يد عندما اقتربنا من إحدى الطاولات، نظرتُ وإذا به شلبي:

– ماذا تفعلون هنا؟
– نبحث عن علي،
– علي! هذا هو علي..
لم نكن قد عرفناه بعد أن غيّر طراز لبسه، وضحك لشرودنا به،
– اجلسوا هنا، قال
– أهلاً بكم، كيف حالكم يا أولاد؟
كنا قد ألقينا نظرة على الطاولة، وكان شلبي يشعل سيجارةً، ومدّ لنا سجائر أيضاً،
– فلتدخنوا السجائر
لم يكن وقت السجائر، ولكننا أشعلناها مضطرّين، وكان علي يتفحّص الحساب الذي جاءه به النادل وقال بحدّة:

– حساب ماذا هذا؟
– حساب الماء
– ومن شرب الماء! ألم نشرب جميعنا الشراب؟!
نظر النادل إلينا وقال:
– هل تأمرون بشيء، فنظرنا إلى بعضنا ثم إلى علي الذي لم يكن منتبهاً إلينا، فقال شلبي:

– أعطيكم نصيحة أيها الأولاد، اشربوا من هذا الشراب، وأشار بذقنه إلى زجاجات الشراب الفارغة على الطاولة، لم ينتهي الأمر عند الاقتراح، تدخّل علي بالحديث دون أن يرفع رأسه عن فاتورة الحساب:

– نيازي يفهم بأنواع الشراب، فليجربه. وأشار إلى النادل:
– أحضر كأسين من هذا الشراب للسيدين، لنرى هل سيحبّونه.
وأخرج من جيبه مئة ليرة
– أضف هذين الكأسين إلى الحساب أيضاً.
كنّا نحتسي الشراب رشفةً رشفة لنطيل مكوثهم على الطاولة، قام علي وكأنه فهم حيلتنا، وقال وهو يضع النقود المتبقية في الطبق في جيبه:

– كنّا ذاهبين إلى بيتنا الجديد، بإمكانكم مرافقتنا لو أردتم.
لم يكن قد تبقى ما نعمله هنا، ودون تفكير قال نيازي:

– بالطبع. ولحقنا بهم، مشينا من بداية النفق إلى “كوله ديبي” وعلي يمشي مع شلبي أمامنا، كان نيازي يزداد توتّراً مع كل خطوةٍ يخطوها، التفّ حول ذراعي:

– معدتي تحترق، لماذا شربنا ماء المخلل هذا!
– بالنسبة لي لقد آذاني الشراب أكثر من ماء المخلل
– إن داخلي يحترق بشدّة
– فلنصل إلى هذا البيت، سنجد حتماً خبزاً يابساً
– وربما زجاجة من الشراب
مرّينا من طرق ملتوية، وبعد أن تسلقنا تلّة صغيرة وقف علي الذي كان يتقدّمنا:

– ها هو، بيتنا، خان كوموندو المشهور. وبدأ يقلب صفحات التّاريخ، بناء بست أو سبع طوابق، وقد بدى على شلبي أنه زار هذا المكان مراراً، مشى أمامنا، ولحق بشلبي بعد أن أحسّ بعدم اكتراثنا لتاريخ هذا الخان، ولحقناهما على الأدراج ونحن نعرج ببطء، وبدأ نيازي ينتحب ونحن لا نزال في الطابق الثاني،
– سوف يغمى علي، أشعر بالدّوار، ركبي بالكاد تحملني.
لم يكن وضعي مختلفاً عنه، صعدنا إلى الطابق الرابع مستندين على بعضنا، نجرُّ أنفسنا، خاطبنا علي من الطابق الخامس:

– بيتي كامل لا ينقصه إلّا المصعد، سوف ترون إطلالته، الخليج كله سيكون تحت أقدامكم، هيّا واستعجلوا.
أراد نيازي أن يقول شيئاً ولم يستطع، وكأن حلقه قد جفّ، كنّا نصعد الأدراج متمسّكين بالدرابزين، عندما وصلنا إلى الطابق الخامس كانوا قد وصلوا إلى الطابق الأخير، صعدنا الأدراج ونحن نلفظ أنفاسنا، دخلنا من الباب المفتوح، لم يكن أحد يرى في الداخل، جاءت أصواتهم من الشرفة، دخل نيازي إلى المطبخ أولاً وبحث في الخزائن والأدراج فلم يجد ولو قطعة خبز يابس يخفف فيها حرقة معدته، – فلأبصق على مبنى كهذا، لا يوجد حتّى كسرة خبز، صاح علي من على الشرفة: – يا أولاد، أين أنتم؟ فلتنظروا إلى هذا المنظر، من أي مكان في اسطنبول يظهر الخليج جميلاً هكذا؟! انظروا إلى الخليج يالبريقه، كيف وجدته يا نيازي؟ أليس مدهشاً؟

كان نيازي قد استند على حائط الشرفة المصنوع من الإسمنت، يشعر بالدوار، وعليّ يسحبني من هنا إلى هنا، يمتدح إطلالة الشرفة دون توقّف،
– برج “غالاته” المسكين يبدو كبيتٍ بسيط أمامنا، لو مددت يدك لقبضت على النجوم، أنظر إلى جامع السليمانية، مناراته بمحاذاة أنوفنا، أنظر يا صديقي إلى سفن الخليج المبحرة.
اقترب من نيازي وأكمل:

– أعرف، لقد أدهشك المنظر، أفهمك، أنت تحس بدوخةٍ لذيذة، أنت كالسكران، يا له من ديكور رائع أليس كذلك؟ إنه خارق، لقد أعجبك بشدّة إني أفهمك، وكأنه ربط لسانك، إنه من شدّة إعجابك أليس كذلك يا نيازي؟
– ويا له من إعجاب

عمم علي سؤاله:

– لقد سُعدتم أليس كذلك أيها الأصدقاء؟
نيازي يستند إلي بيد، ويفرك معدته باليد الأخرى
– سُعدنا حدَّ الإغماء، وأيّ سعادة!
– المنظر مدهش أليس كذلك!
-خارق
– الخليج!
– خارق
– بحر مرمرة! والجزر!
-خارقة
– المضيق!
– مدهش
– جسر غالاته والسليمانية!
– عظيم
– هل بإمكانكم إدّعاء أنني لست ذوّاقاً
أجاب نيازي مستجمعاً آخر قواه:
– بالطبع لا، ذوقك خارق، وبيتك خارق، والمنظر خارق، وأنت خارق..


نور عبدالله، صحفية سورية ومترجمة عن التركية تقيم في إسطنبول

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.