مئة عام تفصل بين الإدانة الإنسانية و الإدانة السياسية

بقلم:د. سميرة مبيض سميرة مبيض

كل ادانة مؤجلة عن المجازر البشرية هي ادانة سياسية في حين ان الإدانة الحقّة من منطلق انساني عادل تكون مباشرة و فاعلة أي تهدف لإيقاف المجزرة و انقاذ الفئة المظلومة أولاً و لمنع تكرار مثل هذه المجازر ثانياً و لمعاقبة المجرم الذي قام بالفعل الشائن ثالثاً.
أما الإدانة السياسية فقد تؤجل عام و قد تؤجل مئة عام و يعتمد زمن نطقها على الدولة المُدينة و الدولة المُدانة و العلاقات السياسية بينهما و التوجه السياسي الدولي في كل زمان و هي لا تهدف لإنقاذ أحد أو لمعاقبة أحد.
لا يمنع ذلك أن لهذه الإدانة السياسية مكاسب ما للشعوب الضحية لكن ما هي أهميتها فعلاً على صعيد العدالة الإنسانية و ما الذي تقدمه في الحاضر أو للمستقبل، فهي لا تدين نظام الحكم الذي ارتكب المجازر بأدواته و شخوصه و تظهر بعد رحيل جميع من ارتكبوا الجرائم دون محاسبة أو مساءلة و دون أن يعلموا حتى أن أعمالهم قد أدينت.
لا بل أن هذه الإدانة الاسترجاعية في الزمن تشجع من يرتكبون المجازر اليوم بأنهم يستطيعون الاستمرار بطمأنينة بجرائمهم حيث يبدو العقاب غير موجود البتة و الإدانة تحتاج بين خمسين الى مئة عام.
أثبت التاريخ أن المجازر لا تحقق انتصاراً لأي دولة بل على العكس فأي وهم انتصار قريب المدى يتحول سريعاً لخسارة حقيقية على المدى البعيد، أي أنه انتصار أفراد مؤقت و ليس انتصار شعب دائم و غالباً ما تحمل الشعوب وزر وحشية بعض قادتها و تَرِث جرائم، في حين أن الجرائم لا تورث، لكن الكره يُورث. فقسوة القتل الجماعي تبقى راسخة في النفوس مهما طال الزمن و تنتقل من جيل الى جيل من منطلق الحفاظ على البقاء و الحذر الدائم من تكرار المأساة.
يجدر بالمجتمعات الإنسانية المتطورة التعلم من دروس التاريخ و الانتقال سريعاً للإدانات المباشرة و الفاعلة للمجازر تتجاوز فيها المصالح السياسية لغاية مصلحة الانسان و حمايته من نشر ثقافة العنف و الكره التي لا تعرف حدوداً و التي تنعكس بالسوء على نوعية حياة الشعوب التي تتورط بها تحت مسميات العرق و الدين في حين يسمح العقل اليوم بتأمين الحياة الكريمة لجميع البشر ان هم توافقوا على مبدأ تساويهم و اتخذ كلّ دوره في مسار الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.