مؤتمر الكتلة الوطنية الديمقراطية السورية وإشكالية المبادرات

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

قبل أزيد من ثلاث سنوات عقدت الكتلة الوطنية الديمقراطية السورية مؤتمرها الأول في القاهرة بجمع نوعي من السيدات والشخصيات متعددة الاتجاهات. كان الهدف بناء حالة تيارية تختلف عن الأحزاب العقائدية، وكان رهاناً كبيراً ليس في إيجاد تشكيلة مختلفة الاتجاهات وتوليفها لتعطي شيئاً مجدياً وحسب، بل القدرة على الاستمرار، خصوصاً وأن الساحة السورية عرفت عشرات، بل مئات المؤتمرات، والتشكيلات التي غاب عديدها، واضمحل كثيرها، وتمزق جزء هام منها، ولم يواصل البقاء سوى قلة قليلة كانت الكتلة من بينهم.

ـ ربما عدم قبول الارتهان للخارج والاعتماد على تمويل ذاتي يقع في أولوية العوامل، رغم أن محدودية الإمكانات المالية حالت، على امتداد السنوات، من تنفيذ عديد الأفكار والقرارات والمشاريع، وغلّبت السياسي والنظري على العملي في وقت تلقي فيه المأساة السورية بأعبائها الثقيلة وتدعو جميع التشكيلات لتقديم شيء يتجاوز الشعارات والتنظير إلى بعض المشاريع والخدمات، وهو ما نجحت به في السنوات الأخيرة على يد مجموعة من الشباب الذين كان لهم الدور الكبير في نشر افكار الكتلة بين الشباب، وكسب العشرات منهم.

ـ ويمكن التأكيد أن تأصيل الخط الوطني والتمسّك به رغم أنواع الأمواج،ووجود بعض التباينات حول التفاصيل، والحل السياسي.. كان في صلب سرّ الاستمرارية، وقد ترافق ذلك مع نهج انفتاحي على جميع الكتل السياسية، وفتح حوارات مع عديدها، ورفض الاستئثار، وادعاء امتلاك الحقيقة، أو الأحادية التي لا زالت بقاياها معششة عند تشكيلات وأشخاص تطرح الديمقراطية لكنها لم تنجح في تجاوز مألوفها، والعقل الماضوي الذي تدّعي تخطيه.

ـ ورغم وجود عديد الأخطاء، وفجوات التقصير، ومحدودية التأثير في اللوحة السورية المتداخلة، والشديدة التعقيد، إلا أن الطموح بالقيام بدور وطني ظلّ الهاجس الرئيس، ومنح الكتلة جذوة البحث عن المواقف الصحيحة، ومحاولات الترميم والتصحيح.

هنا يجدر بالتنويه الدور المتميز الذي تقوم به عدد من قيادات الكتلة في عينتاب وأورفة، خاصة جيل الشباب الذي اكتسب خبرة متنامية في نشر الأفكار وكسب المؤيدين، وفي تحويل الكتلة إلى ورشات عمل متواصلة.

جدول الأعمال كان كثيفاً، وجرت النقاش بشفافية أمام حضور عدد من الضيوف الذين جرت العادة على دعوة البعض كل مؤتمر. وبرغم أن عملية النقد والنقد الذاتي الواجبتين لم تكن عميقة، وصريحة تتناول مكامن التقصير، ولا طبيعة اختيار القيادات بالانتخاب المباشر، إلا أن سير النقاشات كان صريحاً، خاصة للخطة الإعلامية والوضع التنظيمي، والتقرير السياسي الذي تناول المرحلة والتطورات، وتوصل إلى استنتاجات واقتراحات تبناها المؤتمر كبرنامج عمل للمرحلة المقبلة.

المبادرات 

منذ سنوات طرحت الكتلة فكرة إنهاض تيار وطني ديمقراطي، كان البعض يلح على هويته العربية بالنظر إلى افتقاد وجود تيارات قومية وعروبية إلا ما ندر، وكأنه الغائب الأكبر في حراك الثورة السورية، والمثقل بتحميله مسؤولية فواحش النظام الذي يحمل رايات واسم البعث . وشكلت لجنة تحضيرية من الكتلة وبعض الأصدقاء، وجرت حوارات استمرت لأكثر من عام لكنها لم تثمر نتاجاً بحجم المطلوب، فنام المشروع وظلّت الفكرة تتماوج وفق الأوضاع فتبرز حيناً، وتغيب أحياناً.

ـ في اليوم الأخير للمؤتمر التقت الكتلة بممثلي الأحزاب في عينتاب ضمن ما يعرف ب”التجمع الديمقراطي” و ” اللقاء التشاوري” وكان اللقاء في مجمله تكراراً لمثيله دوم بلورة مخرجات قابلة للتطبيق، ومساء كانت هناك ندوة بعنوان : ” نحو تيار وطني ديمقراطي” لم تقدّم الكتلة فيه رؤية مكتوبة، أو خطوطاً عريضة، وفتح نقاش حول الفكرة، لكن سرعان ما عاد من تفاعل لسرديات الصباح، وبعض الانتقادات للائتلاف، والإلحاح على وجوب وجود آليات تنقل النقاشات إلى خطوات عملية، بما يعكس إشكالية كبيرة تكاد تكون ظاهرة سورية عامة، حيث أن عشرات اللقاءات والندوات والورش تتناول هذا الموضوع ولو بأسماء مغايرة، وكثيرها يكتفي بالمداخلات وإبداء وجهات نظر، وهناك من يقوم بعمليات نقد، وقد تصل الأمور إلى تحديد بعض المخرجات، لكن ما أن ينتهي اللقاء أو الندوة أو الورشة إلا وذهبت أدراج الرياح تلك المحاولات والمخرجات بانتظار نشاط آخر يدور في الحلقات المفرغة، وبما يطرح أسئلة عن أسباب هذا العجز في التجسيد، وهل هي حالة موضوعية تعود إلى طبيعة الأزمة السورية؟، أم هي انعكاس لتركيبة بنوية مفوتة، أو مأزومة؟، ام أن العوامل الذاتية المختلطة مع الدور الخارجي المؤثر هي السبب؟.. أم منسوب الذاتية والنخبوية فينا؟..خاصة وأن هذه الوضعية تبرز بكل تناقضاتها وصخبها في المحسوبين على الاتجاهات الديمقراطية والعلمانية.. رغم هذا الفيض في النوايا، والأحلام، والحكي، والمبادرات ؟؟.

ـ نعم المرحلة بمخاطرها وتحدياتها تضع جميع المعنيين بالثورة والعمل السياسي في حالة استنفار لفعل شيء يحمي البلاد والثورة، وهذه حالة طبيعية عند جميع الشعوب التي تتعرّض لمخاطر ساحقة، وهذا عامل إيجابي يجب استثماره لفعل شيء يليق بالوضع . كما أن التطورات، رغم جوانبها السلبية والقسرية، وشعور الكثيرين بعدم الفاعلية، والتهميش أمام المشاريع المتزاحمة للدول الخارجية، وتدويل القضية السورية، إلا أنها تفتح ثغرات كبيرة وكثيرة للنفاذ منها إلى بناء العامل الذاتي، واستعادة القرار الوطني، وفرض الوجود في المعادلة طرفاً رئيساً.

ـ هنا فإن هذه الماضوية، الظاهرة السورية بامتياز التي ما زالت تدور في عمليات نهش الآخر، ورفض قبوله، وفي التصنيفات بالكيلو والجملة، وإلقاء المسؤولية على الغير.. لا بدّ أن تتوقف لفتح صفحات جديدة تصطف فيها قوى الثورة في خمدق وطني جمعي، وتحاول استثمار كل الطاقات وتوظيفها في مشروع مجابهة التحديات .

ـ لا يعني ذلك نسيان السلبيات، ولا المغفرة لمن أساء للثورة قاصداً، ولا تنويم نهج النقد، بدءاً من الذات إلى العام، بل الاتجاه نحو الأساس برؤية إيجابية تغادر الأنا، والفردية، وتضع الإمكانات في المكان الجمعي.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.