مؤتمر الحرب في لندن . و مركز الدائرة في دمشق..بقلم نايف شعبان

تسارعت الأحداث كثيراً في الفترة الأخيرة منذ تشكيل التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في أيلول 2014 , و ما تلاها من أحداث في باريس و الولايات المتحدة و عمليات الإعدام التي يقوم بها التنظيم متبعاً مبدأ ” التأثير بالفعل ” من إعدامات للرهائن في مشهد – ميلودرامي – مثير , ركّز بؤرة العدسة الإعلامية على الإسلام و تهليلات ” الله أكبر ”  و مشهد السكين في يد شخص ملتحي ترفرف خلفه راية الإسلام , وصولاً إلى الحكم على الطيار الأردني التابع للتحالف بالموت حرقاً في محاولة لتنبيه العالم لعدالة قضية هذا التنظيم , و ليس أدلّ من ” القتل حرقاً ” كوسيلة تدفع العالم للحكم بعدالة القضية .

ربما هذه الأحداث و غيرها تقف عائقاً لفترة من الزمن في وجه السلاح الأقوى الذي امتلكه الإسلام و هو سلاح الدعوة – تصديقاً لسلوك نبينا الكريم ” يا عمّاه ..خلّوا بيني و بين الناس ” – لكن يبقى الثوار و المجاهدون في سوريا , دلالة قائمة و شاهدة على شخصية ” الثائر الشريف ” رغم ما يتخللها من أخطاء , و سينجلي غبار المعركة برحيل كل أشكال الاحتلال قريباً بإذن الله , و سيعود المغرر بهم إلى رشدهم .

مؤتمر لندن الذي عقد مؤخراً لمكافحة الإرهاب , يجعلنا نتوقع نتائجه إذا ما نظرنا إلى أول مؤتمر لمكافحة الإرهاب و الذي عقدته عصبة الأمم في 10 ديسمبر/كانون الأول-1934 , على إثر اغتيال ألكسندر الأول ملك يوغسلافيا ,  و أوصى المجلس بأنه  ( يتعين على كل دولة أن لا تشجع أو تسمح بأي نشاط إرهابي لأغراض سياسية على أراضيها , و يجب على جميع الدول بذل كل ما في وسعها لمنع وقمع الأعمال الإرهابية , و لمساعدة الدول الأخرى على ذلك ) , تم على إثر هذا الاجتماع تشكيل ” لجنة الإرهاب ” التي عملت على مدى ثلاث سنوات لمحاولة وضع مواثيق دولية تمنع الإرهاب و تعاقب عليه , و كانت النتيجة أعمال إرهابية في الحرب العالمية الثانية و على يد الحلفاء من عصبة الأمم , تمثلت في إبادة للجنس البشري و تدمير لمدن كاملة و ترويع للمدنيين في حرب مصالح انتقامية , أو كما قال تشرشل ” بذروا الرياح , فلا يجنون سوى الزوابع ”  في إحياء لمنطق اللاسلطويين القديم ” لا يوجد أبرياء ” .

ركّز المؤتمر على محاربة الإرهاب المتمثل في الحركات الإسلامية المتطرفة مع تأكيد البعض على أن الإسلام بريء , طبعاً هذا التعبير الفضفاض , يبريء الإسلام الذي يريده الغرب , إسلاماً على الطريقة الأمريكية و بتعاليم بوذية , و بلا جهاد , إسلام هلامي يقوم على علاقة سرية بين الفرد و معتقده , و لك أن تعتقد ما تشاء .

شيء ما في  مصطلح ” الإرهاب ” يجعله أشبه بشخصية ” الغول ” الخيالية التي دأبت المجتمعات الإنسانية على استخدامه كوسيلة تربوية تجعل الأطفال يلتزمون – مرغمين غالباً –  بقواعد أو أفكار معينة تحت وطأة الخوف , كذلك أيضاً له ميزة سحرية تعمل كأنها  ( الإسفنجة الماصة ) لكل من يشعر بالقهر و العجز , و في أقصى حالات جنونه … عندما يصبح صورة للدماء , فإنه يجتذب هواة الانتقام و ” الساديّة” بعيداً عن القضية العادلة .

الإرهاب ” هذا المصطلح الوهمي و الخيالي ,  المراوغ , تصدّر أولويات السياسة الدولية منذ سبعينيات القرن الماضي و أصبح  “كالثقب الأسود” , يبتلع في طريقه كل التعريفات و المفاهيم السياسية – القانونية و الاجتماعية وصولاً إلى  الدينية – و أصبح قالباً سياسيّاً يتم تصنيف الحركات السياسية و تجريمها بناءً عليه , بل إنه أصبح يعتبر خطراً أكبر من الحرب أو الجرائم أو التعذيب , فهو – بنظر النظام الدولي – قد تربّع على قمة الشر و كأنه هو الشر بعينه .

و كون الإرهاب يعيش في المنطقة الرمادية ما بين الحرب و السياسة , باعتباره ” من الوسائل العنيفة التي تهدف إلى تغيير واقع سياسي ” , فإن التناقض الحقيقي في مصطلح الإرهاب هو التسمية بحد ذاتها , فقد تم تقديمها على أنها علم قائم بذاته , له مبادؤه الخاصة و قواعده الخاصة , و تم تفريغ بقية الأيديولوجيات و الأفكار من صفاتها ليتم حشوها جميعاً تحت مسمى الإرهاب , مع أنه في أغلب حالات الإرهاب لا يمكن التفريق بينه و بين الحرب , ( فهو صراع بين كتلتين حييتين  ) حسب اشتراط ” كلاوزفتز” و ليس ( عملاً لكتلة حية ضد كتلة غير حية )  , و هي غالباً ما تكون حرباً عادلة يتم فيها ارتكاب جرائم , فقيام شرط الحرب العادلة يسقط شرط الإرهاب , و تبقى الجرائم لينظر فيها القانون و ليس السياسة ,  فلا يتم الإطاحة بمبدأ الحرب العادلة .
أما صَهرُ الثورة و التغيير و الإصلاح , مع الجريمة و السادية , في إناء واحد و تقديمه على أنه إرهاب , فهو هجوم على التغيير و على حقوق الشعوب بوجه جديد و قوانين جديدة .

الإشكالية الأخرى تتمثل في أنه وصف يطلقه السياسيون على أية مجموعة تخالفهم , فلم تُطلِق مجموعة على نفسها وصف إرهابي , فيما عدا ” سيرجي نيتشاييف ” مؤسس القصاص الشعبي – في روسيا 1869, و الآخر أحد منظري الفكر اللاسلطوي ” الأناركية ” و التي أتت على لسان أشهر مفكريهم ( يوهانز موست في كتابه-  فلسفة القنبلة و – نصائح للإرهابيين) و وضع استراتيجيات للإرهاب تجعل الناس يقفون مع الإرهابيين كما وصفهم , و هذا ما يجب أن يلفت نظرنا إلى أن أكثر الأفكار ترويعاً أتت عن طريق اللاسلطويين ( الأناركية ) الذين ألهموا ” البلاشفة ” , و الذين بدورهم سيرتكبون – لاحقاً -من الجرائم و الويلات و الترويع  في الثورة الروسية , ما يذهل العقل , منطلقين من تعريف – كارل ماركس – ” الإرهاب الثوري هو الطريقة الوحيدة لاختصار معاناة المجتمع القديم و آلام ولادة المجتمع الجديد ”   , و سينشط هؤلاء اللاسلطويين مرة أخرى في الولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر , و هذا الأمر – الأناركية – من الأمور التي يجب إفراد بحث لها لأنها من الأخطار التي أحاطت بالربيع العربي و قد تكون سبباً لاحقاً لحروب أهلية طويلة المدى لما تحمله من أفكار متطرفة.

كلما حاول أحد توصيف الإرهاب فهو عمليّاً يضيف تعريفاً جديداً ينضم إلى التعريفات الأخرى التي زادت عن / 212 / تعريف أكاديمي و سياسي بحسب كتاب “جيفري سيمون” , و لم يستطع أي تعريف جديد أن يزيح أي من التعريفات السابقة , فهو كمن يضيف مشهداّ لمقطع سينمائي طويل .
ربما نسب بعض الباحثين أولى مخطوطات الإرهاب إلى مخطوطة مكتشفة جنوب الموصل لملك آشوريتعود للعام (860 قبل الميلاد ) التي يصف فيها انتقامه من أعداءه المتمردين من خلال صلب قادة المتمردين و جعل من جلودهم نصباً  و قتل الأسرى و قطّعهم و أحرقهم ….إلخ.
التي تستخدم حاليّاً فهي مشتقة من الكلمة اللاتينية (terrere)

 و التي تعني الترويع و نشر الشعور بالخوف , لكن البريطانيون يرجعونها إلى توصيف رجل بريطاني لما شاهده من شلالات الدماء أثناء الثورة الفرنسية لما وصف ب – حقبة الإرهاب “Reign of Terror

 , و لا شك أن الثورة الفرنسية هي من أطلق هذا المصطلح لما شهدته من أهوال و ترويع  ( اليعاقبة – التنويريين )  بقيادة  ” روبسبير ”  الذي أعلن في أيلول/سبتمر 1793 ( أن الإرهاب هو قانون اليوم ) , مؤكداً  بذلك مقولته السابقة ” لا سلطان للفضيلة بلا ترويع ” , وروبسبير  ( بحسب كرين برينتن – تشريح الثورة ) هو ذاته روبسبير الشاب الذي استقال من منصبه القضائي كي لا يفرض عقوبة الإعدام قبل الثورة  التي كانت ضد تنشئته الإنسانية في القرن الثامن عشر ,فقد كان من ( التنويريين ) الذي ينتمي لهم أيضاً مفوض الثورة الفرنسية ” جان – بابتيست كارييه ” المحامي الذي ربط ألفي شخص عراة و أغرقهم في نهر ( اللوار ) لأن ذلك أفضل من انتظار الوقت لقتلهم في المقصلة .

اندفع الأكاديميون و المحللون في محاولة لتفسير  “طلاسم” هذا اللغز , و وصلوا إلى نتيجة غريبة في تعريف الإرهاب , فاعتبروه هو كل ترويع تقوم به كيانات  ( ليست دولة ) ,  بينما توصف أعمال الدولة الإرهابية ب ” الترويع ” , فالدولة هي من يحتكر الإستخدام الشرعي للعنف , و هذه إشكالية علمية حقيقية يجب الوقوف عندها مطولاً  , فالإرهاب هو إحدى إستراتيجيات الترويع , أي أن الترويع في مفهومه أكبر خطراً من الإرهاب , و مع ذلك يتعامل القانون الدولي مع الترويع برؤية ( براغماتية ) تعطي الدولة حقّاً في الترويع و تعزلها عن قوانين الإرهاب مما يعتبر دعماً للأنظمة الاستبدادية في مواجهة حركات التحرر و الإصلاح , فكيف يستقيم هذا مع تعريف الثورة  الذي هو ” محاولة انتزاع السلطة السياسية من قبضة النظام القائم , لإحداث تغيير سياسي و إجتماعي جذري ” ؟ , هذا يعني أن عصر الثورات انتهى – و هذه استحالة – , فإذا كان الإرهاب هو عنف لتغيير الواقع السياسي , فإن الثورات لا زالت تشكل إلهاماً لكل الإرهابيين , منذ الثورة البريطانية و الثورة الفرنسية و مراحلها حتى الجمهورية الرابعة , أو الثورة الأمريكية  و الروسية , و ثورات أمريكا الجنوبية و آسيا و غيرها , إذن لا يمكن القضاء على أعمال العنف لتغيير الحالة السياسية إلا بالقضاء على شواهد العصر من الثورات السابقة , و لن يفيد إطلاق وصف إرهابيين على مجموعة أو مجتمع لاحتجاجه على بطش الحكومة أو على أداءها السياسي و الاجتماعي , و هو مما سنّه – روبسبير – عندما وصف كل من تم إعدامهم بأنهم إرهابيون , و دأب على ذلك كل الطغاة في وصف أي احتجاج ” بالإرهاب ” .
لعلّ  التعبير الذي طرحه الرئيس الفلسطيني الراحل ( ياسر عرفات ) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة -1974 – بقوله ( من يراه البعض إرهابيّاً , يراه الآخرون مقاتلاً من أجل الحرية ) – لعلّهُ –  أثار استياء الكثيرين من الأكاديميين و السياسيين , و لكنه في الحقيقة هو كذلك , و قد عبّر عن صعوبة تحديد الإرهاب أخلاقيّاً , و يتفق مع التعبير لأحد الأكاديميين بوصف الإرهاب  ” بأنه صندوق ذا قعر زائف ” , و الذي دفع بأحد المحللين للقول ” إن محاولة تعريف الإرهاب  تجعلك كأنك شخصية – (,أليس- في بلاد العجائب )” , لذلك حتى الآن لا يوجد تعريف متفق عليه للإرهاب , و كل دولة – أو مجموعة دول –  تتبنى تعريفها الخاص بها , ربما التعريف الوحيد الذي اتفقت عليه الدول هو أن الإسلام مصدر للإرهاب الديني , و الذي تم اعتباره إرهاب العصر و أخطر موجات الإرهاب .

تم تحديد أربعة موجات للإرهاب ,  الأولى كانت في نهايات القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين , و الثانية في عصر الحركات القومية في المستعمرات و بداية رسم الحدود السياسية للدول  , و تمتد من 1921 حتى يومنا هذا , أما الموجة الثالثة فهي موجة الإرهاب الدولي  المعاصرة و التي بدأت منذ 1960 حتى أحداث أيلول 2011. أما الموجة الرابعة  – و هي الأهم – فتمثلت في الإرهاب الديني الذي تم توصيفه على أنه ” إرهاب يجعل من القتل قضية عادلة ” , نشأت هذه الموجة – بحسب المحللين –  بعد أحداث أيلول , و بإمكان القاريء استنتاج الأسباب و الدوافع !!

تصنيف موجات الإرهاب بهذا الشكل , قد يكون له أسبابه و دوافعه الظاهرة و لكن الأسباب الكامنة و الدوافع تجعلنا نعيد النظر , في الموجة الرابعة على الأقل , فوصف الموجة بالإرهاب الديني هو ككرة الثلج و كلما استمرت كلما ازداد حجمها , و تصبح مقاومة الإرهاب عملية زائفة و غير حقيقية , و تتحول إلى حرب ضد ” الغول ” الخرافي , أو حرباً ضد ” الجنّ ” عشوائية و لا تحقق نتيجة , بل أكثر من ذلك , فقد تحولت حملة ” الحرب الكونية ” على الإرهاب إلى أكبر عملية إرهابية عبر التاريخ , بما تقوم به من إخضاع الشعوب المقهورة لجلاديها , و هزيمة حركات التحرر و الإصلاح , و احتلال الشعوب و مقدراتها , إضافة إلى الإرهاب الفكري و الحرب على الهوية , وصولاً إلى تقييد الحريات و التلويح بتهمة الإرهاب لكل مخالف , و الأكثر تندُّراً هو ما تفتقت عنه عقول المشرّعين من سنّ قوانين تحكم على النوايا و ليس على الأفعال , و هو ما ابتدعته بريطانيا و لحقت بها أمريكا  لاحقاً, و النوايا هي ما يقوم منفذو القانون باستنتاجه من أي شخص مشتبه به , حتى لو كانت وسائل الاستنتاج شبيهة بالشعوذة .

ناهيك عن أن جعل الدين مصدراً للإرهاب غير صحيح , فأكبر العمليات الإرهابية و الترويع قامت على أيدي الشيوعيين , و السياسيين غير المؤمنين و لأهداف غير دينية كالثورة الفرنسية و الثورة الروسية , و الحربين العالميتين , و قبله  تاريخيّاً على يد الوثنيين الرومان و الفرس , و حروب الهند و الصين الوثنية , و غيرها الكثير, إذاً  ربط الإرهاب بدوافع دينية لا يقوم كحُجة , فنواقضه التاريخية و المعاصرة كثيرة جداً , بالطبع هذا  لا ينفي  حصول ترويع على يد المتدينين أو بدوافع دينية , كعمليات التطهير ضد المسلمين في الهند و في إسبانيا و عموم أوروبا , و أشهرها على يد المتدينين في أمريكا و التي أبادت أمماً كاملة بتفويض من ” الإله ” حسب زعمهم , أو المجازر التي وقعت على يد من ينسبون أنفسهم للإسلام ,كالقرامطة و الإسماعيلية ” الحشاشين ” و النصيرية و الشيعة .

لن أتهم المسلمين من  أهل السنة و الجماعة  لأنني أنتمي إليهم , و هذا اعتراف صريح مني أني لست حياديّاً في هذه النقطة , فقد قال أعداؤنا ما فيه الكفاية و رد علماؤنا بالحجج ,  فلن أخوض في هذا الأمر .

لكني سأسلك مسلكاً آخر في تحديد بنية الإرهاب في هذه المنطقة و نشأته الأولى على يد اليهود حتى يومنا هذا , فكل الحديث عن الإرهاب في الشرق الأوسط , و ما رافقه من حملات كراهيّة يشنها الإعلام الغربي و العربي و معاهد الدراسات الإستراتيجية , و جزء لا يستهان به من المثقفين العرب أصحاب الخطاب  ( الدّوني )  في مواجهة خطاب ( السيّد ) الغربي , و حلفاؤهم من دعاة التحرر و الإنسانية – يزعمون –  ممن يُحسبون على العلماء , لدرجة وصلت بأحدهم في حالة من ” النشوة الفكرية ” للمساواة بين الرسل الذين ذكرهم القرآن ,و رسل الإنسانية الذين يحملون أفكاراً أخلاقية عامة و ليست خاصة , فأصبح الرسل أولي العزم بمساواة كونفوشيوس و بوذا و أبراهام لينكولن … و نيلسون مانديلا !! , هوية متهالكة و متآكلة , ثم يأتيك من يقول لك أن الهوية ليست محل نقاش .

حدَّثنا التاريخ عن أول عمليات الإرهاب على يد جماعة ( زيلوت ) اليهودية أيام الحكم الروماني في فلسطين , و أفرد لها مطولاً عن اساليبهم و طرقهم البشعة في القتل و الاغتيال إلى أن تم القضاء عليهم على يد “تيتوس ” إبن الإمبراطور ” فيسبازيان”  .

كي لا نتوسع في البحث أكثر سننتقل لنشأة الإرهاب الصهيوني في العصر الحديث في منطقتنا و حيث لم يكن لدينا إرهاب , بل كان استمراراً و نتيجة للترويع الاستعماري على يد البريطانيين في فلسطين , و الذي  / ابتدأته عصابات الهاغانا , و الأرغون , و شتيرن , و جماعة ليهي/ليحي .

تجرع البريطانيون كأس الإرهاب الذي زرعوه في المنطقة على يد العصابات الصهيونية و بالإمكان العودة إلى أكبر عمليتين ضد البريطانيين و هما اغتيال اللورد ” موين ” عام 1944 , و تفجير فندق الملك داوودعام 1946 .و التي أخرجت الإرهاب الصهيوني إلى واجهة الأحداث و مع ذلك لم يصفهم البريطانيون بالإرهاب , رغم كل عمليات الترويع و القتل و التطهير العرقي و التهجير التي قاموا بها ضد العرب , و أكثر الأمور مثاراً للسخرية هو تصريح نتنياهو بعد أحداث أيلول ” إن الإرهاب منتشر بصورة حصرية في الشرق الأوسط و في المكان الذي يسود فيه الإسلام ” !!

هذا التصريح الفصامي من إرهابي ينتمي لكيان تم تأسيسه على الإرهاب , ليست مجرد حشد ضد الإسلام – و هو ما دأب نتنياهو في التنظير له من حيث ربطه بين الإرهاب و الإسلام – بل هو تخبط و هروب من أزمة طويلة الأمد , يدركونها و هي موجودة بين ثنايا تبريرات الإرهاب و التحليلات التي تصدت له , فالتقسيم في فلسطين و الذي نتج عن الهجرة اليهودية لاحتلال الأرض هو الذي فجر الإرهاب في المنطقة ليُنتج ما وصفه المحللون ( بالإرهاب المتطرف ) , و حتى لو تم إجلاء الفلسطينيين عن كامل أرضهم في فلسطين , فسوف يكون هذا الكيان بمواجهة ( الإرهاب القومي ) لأنه محاط بالعرق العربي من كل الجهات , و حتى لو تم احتلال البلاد العربية من قبل الولايات المتحدة و حلفاءها , فإنه سيقع تحت وطأة ( الإرهاب الديني )  لأن المنطقة في قلب العالم الإسلامي .

إنها معضلة تشرح سبب هروب العالم إلى الأمام من خلال الحروب في محاولة لضمان أمن هذا الكيان , و التصنيفات التي ذكرتُها آنفاً ليست من إنتاجي , بل هي من نتاج الدراسات الأكاديمية التي نظّر لها مركز (راند ) للدراسات الاستراتيجية و أخص بالذكر ( بروس هوفمان) في كتابه ( داخل الإرهاب ) , أي أن هذا الكيان و حلفاؤه يدورون في حلقة مفرغة بانتظار اكتشاف حل ما في المستقبل ينهي هذه المعادلة مستحيلة الحل .

من جانب آخر , برز على السطح بعد أحداث أيلول مشكلة جديدة في الديمقراطيات الغربية , أصبحت قوانين مكافحة الإرهاب , بمثابة ” أكسجين الإرهاب ” فكلما اتسعت قوانين مكافحة الإرهاب , يزداد الخطر على الديمقراطية الليبرالية , و يزداد الخطر من انتفاضات شعبية ضد التسلط و قمع الحريات , و ما أحداث باريس الأخيرة و التي أطلق عليها مجازاً ( 11-يناير ) في محاولة لإحياء ( 11 أيلول ) إلا دليل على حجم المخاطر التي يعاني منها العالم في مواجهة إنتاجه من الإرهاب و محاولة تبريره على أنه من الإسلام , بل أنني أحصيت في العام 2014 ما يزيد عن (20 أزمة ) جدّية تتهدد المجتمع الأمريكي , و يتشارك مع بقية العالم الغربي ببعضها , من التمييز العنصري, إلى الكراهية الدينية … وصولاً إلى الحركة النسويّة , و المتابع لأخبار الاضطرابات في أوروبا و أمريكا و آسيا و أفريقيا , سيلحظ أن العالم يقف على حافة الجنون .

ختاماً , الإرهاب جزء من الإسلام و فرض عين , لكنه ليس الإرهاب الذي اصطلح العالم على توصيفه , بل هو أمر قرآني لحفظ الضرورات الخمس ” الدين,النفس, العقل, المال,العرض ” و هو يأتي بصيغة الإعداد و الاستعداد و الردع , و يتبعه أمر بالسلم ما دام السلم قائماً , و ليس كما نظّر له الآخرون بأنه دين قائم على الترويع و العدوان .

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْ‌ۚ إِنَّہُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٍ۬ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّڪُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡ‌ۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىۡءٍ۬ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ (٦٠) ۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ‌ۚ إِنَّهُ ۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ (٦١) وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُ‌ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِہِمۡ‌ۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِى ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعً۬ا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَـٰڪِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَہُمۡ‌ۚ إِنَّهُ ۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ۬ (٦٣)_ (الأنفال)

هذا البحث سريع و على عجالة , ربما يصلح أن يتسع في كتاب و لا يكفيه بضعة صفحات , و لكنه خطاب سريع , قد لا يهم الغرب ما نكتبه فهم لديهم خططهم و دراساتهم , و هم يعلمون أنه لا يمكن التصدّي لظاهرة الإرهاب , إلا من خلال تفكيك جذورها البنيوية و مصادر إثراءها , و التي شكّلت ” العولمة ” و مشاريع ” نشر الديمقراطية ” السبب الأكبر في نشوء و استفحال هذه الظاهرة و لما في كليهما – العولمة و نشر الديمقراطية – من هجوم مباشر و تعدّي على هويّة و ثقافة الشعوب عامة , و المسلمين بشكل خاص .
لكن على الأقل هو خطاب لإخوتنا و أبناء جلدتنا , الذين يحاولون التقرب من الغرب بالطعن بالإسلام عن جهل , و محاولة تفكيك قواعد الدين بدون علم و كفاءة , و الطعن جيئةً و ذهاباً بكل الموروث الديني في هذه المرحلة الحرجة التي لن تقف عند حد الطعن بروايات السنة النبوية , بل ستتجاوزها إلى الطعن بنقولات القرآن الكريم و من ثم الطعن بآياته , إن هذا ” الشر الناعم ” الذي يخترق طبقاتنا الاجتماعية بإسم الأمة و و بدعوى حقن دماء الأمة هو خطر يفكك الثورة و يفكك العزيمة , ربما يتقدم البعض بهذا التصرف ظنّاً منهم أن الغرب سيقبلهم في ثقافته , و هذا وهمٌ و قصر نظر , فالغرب حربه ثقافية ضدنا كما نظّر لها صموئيل هنتنغتون , و هو ذاته –هنتنغتون – من أكّد أن الثقافة الغربية لا تصلح لنا , بمعنى أن كل من يحاول خلع جلده ليتلبّس جلد الغرب لن يستفيد و سيفشل لأن الغرب لن يقبله , فالمطلوب ليس تطهيراً فكريّاً بحسب تعريف الغرب , بل هو تطهير أيديولوجي عرقي , و هذا يُخرج العرب و المسلمين من دائرة المركز ( السيّد ) , فلا تضيعوا وقتكم بالحداثة و العولمة , بل أشغلوه بالتأكيد على هويتكم و محاولة تطوير ما فاتنا من ركب الحضارة لنستعيد مكانتنا و نسهم بدورنا التاريخي و الإنساني , بالمعاصرة على أسس العقيدة و التاريخ , و نفك الإرتباط القائم في عقل الغرب بين لفظة إرهابي و لفظة مجاهد , لتعود هذه الكلمة ( الجهاد ) مثالاً للكفاح الشريف كما أقرّها الإسلام و حضّ عليها .

لقد تم ارتكاب كل تصنيفات الإرهاب في سوريا على يد قوات الاحتلال و بدعم النظام العالمي , الإرهاب الأبيض و الأسود و الأحمر , و الإرهاب المتطرف , و العرقي , و الديني , و الإرهاب الطليق , و حتى الإرهاب الثوري , كل هذه الهجمة لن يكون بمقدورنا الفكاك منها إلا بتحالفنا حول عقيدتنا و بالتسامح فيما بيننا حتى نستطيع التواصل , و الوصول إلى شاطيء الاستقلال .

ملاحظة : لا يوجد تناقض بين استخدامي لمصطلح الإرهاب في البحث ,  و بين اعتباري له مصطلحاً مغلوطاً , فأنا تناولته كمصطلح أكاديمي دون تغيير منعاً للتشويش , و أضفت رأيي عليه

المراجع:

تشريح الثورة _كرين برينتن

في الثورة _حنا انرديت

موسوعة قصة الحضارة

what is terrorism

what is humanism

رابط المدونه :http://naifsh.weebly.com/160516021575160415751578/10

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.