ليلك طويل أيّها المعتقَل

هل تشعر بأنك عاجز، مجهد، يائس، ساخط؟.. كل ذلك لأنك ضحية ما يحاك، ضحية تسلّط القوي على الضعيف، أغلب الناس في وقتنا الحاضر يتجّه نحو المصيدة لأنه لا يملك أن يكون حراً.

الأيام السورية؛ أمل المصطفى

العالم النفسي “لويس بروتو” له عدة مؤلفات عن الثقافة النفسية يبين في كتابه “كن مسؤولاً عن نفسك” أنه غالباً ما يكون في مقدورنا اختيار ردود أفعالنا تجاه ما نتعرض له من مواقف وأحداث، وصولاً إلى التوازن النفسي.

كيف يمكننا اختيار ردود أفعالنا ونحن المقيدون من الأعلى لأخمص القدمين، كيف نتوازن نفسياً ونحن المغيبون في سنوات الظلام، كيف نستقر وسط عهر الاستبداد وغياب الاستقرار؟.

الإنسان المعتقل ضحية عصرنا؛ فهو مسلوب الإرادة عنوة، لا يملك تغيير ظروفه، بل لا يملك أن تدغدغ أشعة الشمس عظامه النخرة، قابع تحت الأرض التي ضجّت بسماع أنّاته، وحزن صرخاته.

أنات المعتقل تثير الشجن في النفوس الطاهرة الذكية، فكيف لي أن أنسى نظرات زوجي “مدير المدرسة” الذي اعتقل وهو متوجّه من المدرسة إلى بيته، ليعتقل أمام عينيّ وعلى مرأى أولاده الصغار، حيث يصرخ الضابط في وجهه ليجثو على الأرض والجنود حوله، لينال لكمة من هذا، ورفسة من ذاك متناسين إنسانيته ودرجة ثقافته، لم يتمكن أخوته وطلابه وأولاده من حمايته أو التخفيف عنه في جوّ من الإرهاب النفسي لا مثيل له.

تتابع الزوجة: علمت العائلة فيما بعد أنّ المدير خالد تمّ اعتقاله وإهانته بسبب تقرير كاذب فحواه “إقامة احتفال مدرسي فرحاً بتحرير إحدى المدن السورية من سيطرة قوات الأسد، وتوزيعه الحلويات على الطلبة”، وكل ذلك الكلام محض افتراء لأن هذا الرجل المثقف اقتصرت نشاطاته على التعليم فقط، وتأمين مستلزمات المدرسة، واستمرار التعليم فيها رغم هذه الظروف القاهرة، وكانت كلماته لي دائماً استمرار التعليم من أهمّ الأولويات لدي.

الآن وبعد مضي أربع سنوات على اختفاء مدير المدرسة؛ نتساءل وبحرقة الوجدان.. ماذا ينتظر المعتقلون؟  وما مستقبلهم الرمادي والضبابي في دولة يسود فيها القوي على الضعيف، في دولة تُحكم بمنظومة وشريعة الغاب، دون رحمة أو رأفة بمعتقلي الرأي السياسيين، وكم من معتقلين مغيبين في السجون دون الكشف عن مصيرهم ومكان سجنهم.

إلام يبقى هذا السجين محروم من زيارة أقاربه ومن أبسط الحقوق الإنسانية؟.

تقول زوجته التي ضاقت ذرعاً وهي تنتظر سماع أيّ خبر عن زوجها يريح فكرها” كبلوه ووضعوه في مؤخرة السيارة دون شفقة أو رحمة، وأنا لا أنسى نظراته الأخيرة، وكأنه أراد أن يوصيني بالأولاد، أو يقول لي أمر آخر، ولكن للأسف حتى وداعه لأسرته كان أمراً مستحيلاً في شريعة غريبة الأطوار “حتى الأولاد كبروا وهم لا ينسون كيف وضع هذا المربي الفاضل في سيارة الاعتقال دون احترام لمنزلته العلمية.

هذه قصة معاناة من قصص كثيرات سمعنا عنها، ولكن النقطة المثيرة للجدل: هل عجز العالم كله عن تخليص المعتقلين علّهم يعودون لعيش الكرامة؟ أم إننا نسمع عن أعدادهم التي تزداد ارتفاعاً، ليتحولوا لمجرد أرقام في سجلات مهترئة وسط غموض يلفّ مصيرهم؟.

لذلك سنصرخ معاً:

أسيرنا في الأقبية وفي زنزانات الطغاة، يصرخ ويستغيث، شلت يمينك يا سجّان، الحرية لا مفرّ لأحرار العقول، قُتل الباغي ما أظلمه، ومهما طال ليل المعتقل اعلم أنّ نورك قادم لا محالة، فالحياة لا تتمّ دورتها دون نصرٍ جديد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.