ليلة مريرة سوداء شديدة الحرارة في غوطة دمشق

محطات من التغريبة الشامية (2)

صدحت المآذن بالفاجعة، وبلهجة عامية حزينة ينادي المؤذن “يا أهل الخير يا أهل النخوة النظام ضرب كيماوي أهلنا بزملكا وعين ترما بالشوارع ميتين” وبكى بكاءً يقطع القلوب.

الأيام السورية؛ نور الشامي

في الصباح التالي لليلة الكلور، استيقظنا صباحاً متعبين، مرهقين، وكالعادة على أصوات القصف والطيران.

انشغل الناس بأحاديثهم الجانبية المعتادة عن الهموم والتعب والجوع والخوف من الآتي، بينما كان ذهني ما يزال عالقا بأحداث الليلة الماضية، أفكر بتبعياتها، فالنظام غير مكترث لأي حكومة، ولا لمنظمات ولا لخطوط حمراء، وها هو يعاود قصفنا بالكلور، هل سيتجرأ مرة أخرى ويقصفنا بالسارين؟ أسئلة كثيرة تدور في نفسي، تزيد من مخاوفي وتوتري، فأنا ما زلت أخاف ذكرى تلك الليلة المشؤومة، مازلت أكره شهر آب الأسود، ما زالت وستبقى أحداثها محفورة في قلبي وعقلي على حد سواء.

ليلة مريرة

كانت ليلة ال “21”من آب عام “2013” ليلة مريرة سوداء شديدة الحرارة، خالية من أي نسيم خفيف، وكأنها كانت تريد من أهل الغوطة البقاء مستيقظين، بعد منتصف الليل كنت قد أنهيت الحديث أنا وأمي وأخي الذي ودعنا وذهب لنوبة الرباط، حاولت النوم جاهدة لكني لم أستطع، رغم تعبي الشديد بعد نهار طويل قضيته في عملي في المشفى وبين المرضى، فجأة تدخل أمي غرفتي فزعة خائفة تقول: “نور فيقي النظام ضرب كيماوي، سمعت بنات جارنا عم يبكو ببيت أهلن هلق وصلوا” مشيرة بقولها لبنات جيراننا المقيمين في (زملكا).

لم استوعب الخبر، ظننت أنني استغرقت بضع دقائق ونهضت فجأة، كثيرة هي المخاوف التي ملأت قلبي عن أخي الذي غادرنا منذ قليل للرباط على المناطق المتاخمة مع نظام الأسد، عن خطيبي الذي لم تمض على خطبتنا سوى عشرة أيام ويعمل مسعفا، ماذا يفعل الآن؟

يا أهل الخير يا أهل النخوة النظام ضرب كيماوي

الفوضى عمت المكان سيارات مسرعة لإسعاف المصابين ومنهم من يريد أن يهرب من المكان، والشوارع تزداد ازدحاما، وصدحت المآذن بالفاجعة، وبلهجة عامية حزينة ينادي المؤذن “يا أهل الخير يا أهل النخوة النظام ضرب كيماوي أهلنا بزملكا وعين ترما بالشوارع ميتين” وبكى بكاءا يقطع القلوب.

انقلب ليلنا نهارا، ضجيج بالشوارع، نداء بالمآذن، وتكبير يقطعه بكاء المؤذنين تارة وطلب المساعدات بالإخلاء وأخذ الملابس والخل، وحفاضات الأطفال، والمشروبات الغازية إلى المشافي تارة أخرى، نعم هذه هي إسعافاتنا للوقاية من هذه الغازات التي لم نكن على عهد مسبق بمواجهتها، فقد كنا قليلي معرفة ونفتقد للخبرة بكيفية التعامل مع هذه الأنواع من الغازات.

هلق بتشوفي بعينك

استيقظ والدي وذهب مسرعا، طلبت منه توصيلي إلى المشفى لكنه لم يسمعني، ذهب غير ملتفت خلفه، ارتديت حجابي، وهيأت نفسي راجية أن يأتي أحد ما ويأخذني لأشارك في إسعاف المصابين، مرت ساعة ونصف وما زالت السيارات في حركة سريعة، والمآذن مستمرة بالتكبير، أنظر إلى أمي وأعلم ما يدور في خاطرها من خوف وقلق على أبي وأخوتي، وكل من نعرفه من قريب أو بعيد، ليقطع تفكيري صوت سيارة توقفت تحت منزلنا، نظرت من النافذة وتحركت مسرعة نحو الباب، أخبرت أمي إنه خطيبي وأني ذاهبة إلى المشفى، ركضت نحوه، شعور غريب انتابني، خاطبته قائلة: “الحمد لله عسلامتك شو الوضع طمني”؟ صمت قليلا وقال: “هلق بتشوفي بعينك” هاجمتني الغصة وصعوبة متابعة الحديث معه حيث الخوف مما سأراه قريبا. وهنا وصلنا للشارع العام وبدأت القذائف والصواريخ تتساقط وكأننا في سباق معها وأكاد لا أصدق ما يحدث.

عمل المسعفين بعد القصف بالكيماوي(شباب سوريا)

موقع لتصوير فيلم فانتازي

أنظر لخطيبي غير مدركة ما به، أشعر أنه غير واعٍ، لأنه يقود بطريقة وسرعة جنونية، قلت في نفسي إنه مصدوم من هول ما رأى خلال إسعافه للمصابين والشهداء.

وصلت لشارع المشفى التي كانت تقع على طرف البلدة، لأجده كموقع تصوير فيلم فانتازي، إطارات مشتعلة تملأ طرفي الطريق، وعربات في ذهاب وإياب تنقل المصابين والشهداء من وإلى المشفى.

نزلت من السيارة بسرعة لأقف مذهولة أمام أعظم موقف شهدته في حياتي، أعداد كبيرة عشرات بل مئات من المصابين ممدين على الأرض في ساحة المشفى الخارجية وممرضين، وأطباء، ومدنيين يتعاونون على نزع ملابسهم وفرزهم بين شهيد أو مصاب مجسدين أعظم صورة للتكاتف والتعاون.

أسماك معذبة اُخرجت لتوها من الماء

ما زلت غير مصدقة، خُيِّل إليّ أن المصابين كأسماك معذبة اُخرجت لتوها من الماء، نعم يرتعشون كالأسماك وزبد أبيض يخرج من أفواه بعضهم، عيون دبوسية، حالة من اللاوعي أعيشها أنا وكل من عاش هذا المشهد.

حاولت الدخول للمشفى لكن أعداد المصابين الهائلة تعرقل دخولي، اضطررت أن أخطو من فوقهم وكلي خوف أن أدوس خطأً على أحد ما فأزيد من ألمه لو افترضنا أنه واعي للألم، دخلت المشفى فوجدت ضعف الأعداد التي رأيتها خارجا، الإسعاف، غرف العمليات، التصوير الإشعاعي، حتى ممرات المشفى الضيقة امتلأت ليس بالمصابين إنما شهداء جُلهم من الأطفال والنساء، فاضت أرواحهم الطاهرة وهم نائمون، أخذت أفكر، هل شعروا بشيء قبل موتهم؟ هل تألموا؟

خاطبتني إحدى زميلاتي وهي تعطيني عدد كبيرا من (الأتروبين) لأحقن به المصابين، نظرت إلى عينيها فوجدتها دبوسية، سألتها إذا كانت بخير؟ فأجابتني أنها بخير لكن الكادر الأول الذي استقبل الدفعات الأولى من المصابين تأثر بشدة وتم نقله للعناية المركزة أو الاستشفاء.

من أين أبدأ

كنت محتارة من أين أبدأ لأفاجئ بصوت شيئا سقط خلفي التفت لأجد خطيبي مغمى عليه على الأرض، أسرع الأطباء نحوه ونقلناه إلى الداخل وبدأوا بإعطائه المضادات المناسبة، حالة من الفوضى نعيشها وأعداد هائلة يجب توثيقها أو معرفة بياناتهم سواء كانوا شهداء أو مصابين.

جثامين ضحايا مجزرة الكيماوي بالغوطة(يوتيوب)

التوثيق

قاربت الساعة السادسة صباحا وما زلنا في نفس الحال، صعدت إلى قسم النسائية لتسجيل أسماء المتواجدات من النساء، في حال كنّ مدركات أو واعيات، بدأت التوثيق ومع كل اسم يخطر ببالي هل يا ترى هذه المرأة فقدت أحدا من أهلها؟ هل علم أقاربها بتواجدها هنا؟ فقد اختلطت العوائل كثيرا بسبب الأعداد الهائلة للسيارات المسعفة، وكانت تنقل إلى أقرب نقاط، ثم بدأت بالأبعد قليلا، وهكذا على امتداد الغوطة بأكملها.

دخلت غرفة أخرى لأسجل أسماء من فيها، فتقع عيني على شابة فائقة الجمال لم تتجاوز العشرين عاما على ما أعتقد، تتحرك بطريقة غريبة وهي مستلقية على فراشها اعتقدت أنها تختلج، اقتربت منها وسألتها عن اسمها لأفحص وعيها، فما كان منها إلا أن شدت يداها حول عنقي بقوة وأخذت تهزني للخلف والأمام وأخذت تردد (روعة روعة أنا روعة) أحاول إبعاد يديها عني فقد بدأت أشعر بالاختناق، أخاف أن أتسبب بأذيتها لكنها تأذيني، لا أعلم من أين أتت بهذه القوة الشديدة، جاءت زميلة لي وساعدتني في إبعادها، عدت بعد فترة من الزمن لأطمئن عليها فلم أجدها، ليخبرني زميلي أنهم نقلوها إلى مشفى آخر.

أعلم أن العديد من المرضى سيصابون بنوبات هلع، هستيريا، او حتى نوبات شبيهة بالربو مسببة ضيق تنفس.

العودة إلى الحياة

بينما كنا منشغلين بتطبيب المرضى ومتابعة حالتهم الصحية، كانت جثث الشهداء ما تزال متواجدة بيننا في الممرات منتظرين قدوم أقاربهم للتعرف عليهم، وفجأة يد تمتد وتمسك قدم المريض ليصرخ بهلع ونلتفت فنشاركه صراخه، إنها يد أحد الشهداء، لكنه لم يمت أو بالأحرى عاد للحياة، أسرع الطبيب وفحصه ليجد علاماته الحيوية مقبولة نوعا ما، فأمر الطبيب بإعادة الكشف على كل من تم توفيته، خوفا من تواجد أحد ما بنفس الحالة.

قاربت الساعة الثامنة والنصف، وأسمع صوت الطائرة من بعيد تنقض كمفترس على فريستها، أتت لتكمل إجرام الأسد وتحاول القضاء على من نجى من ليلة الكيماوي، فكانت وجهتها المشفى وصوت الصاروخ يقترب لينفجر في الجهة المقابلة لمدخل المشفى مخلفاً وراءه حفرة كبيرة وأضرار بشرية ومادية.

أهالي الضحايا يتعرفون على أبائهم(فوكس حلب)

جريمة العصر

تمضي الساعات وتأتي العائلات تسأل عن أقاربهم، ترى الأمهات منهكات يبحثن بين الجثث والمصابين عن فلذات أكبادهن، وأخريات فُجعن بأهلهم، لقد فارقنا في تلك الليلة المشؤومة عوائل كاملة من الجدود حتى الأحفاد، نعم إنها جريمة العصر، مجزرة بلا دماء، راح ضحيتها ما يجاوز الألفي شهيد، وعشرات آلاف المصابين.

تفاصيل مجزرة آب تدور ببالي لا تفارقني، أخشى من تكرارها مرة أخرى فيكون المصاب أعظم وأشد بسبب تواجدنا في الأقبية، لتقطع أفكاري دموع حارة تساقطت على شهداء الكيماوي وعلينا نحن سكان أقبية الموت والظلام. حيث كنا نقضي أيام عديدة لا نرى السماء، حيث كان أطفالنا يباتون جائعين على أنغام فرقعات بطونهم الخاوية، حيث ارتوت أرض الفوطة بدماء شهدائها الطاهرة لتنبت منها مشاعل تنير دروبنا، فكل شهيد خلَّف شهيدا، وكل ثائر رافق ثائرا، ومحال أن ينتهِ الكفاح حتى بلوغ النصر.


إقرأالمزيد:

أقبية الملاجئ.. هرب من الموت وقصص تعيش مأساة الموت

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.