ليست رياح السموم…إنّها سفر التغيير – بقلم د. سماح هدايا

ليست رياح السموم…إنّها سفر التغيير

من البدء تجلّت أدبيات المعركة، وحملت بعدا دينيّا في طيات مفرداتها الإنسانيّة الكثيرة، وهذا أمر طبيعي في حركة الشعوب كلها، سواء اعترفنا أو هربنا من الاعتراف بموضوعة الدين خوفا من التعصّب والعنصريّة…ولعلّ الخطر لا يكمن في هذا الأمر، بقدر مايكمن في تضخيمه واستغلاله سياسيا ودينيا وأخلاقيا وإنسانيا.

كانوا يقولون: العرب المسلمون كائنات غير متطوّرة وغير متحضّرة، بل هم مجموعة من بشر يحملون بقايا الوحشية والتوّحش قي دمائهم وفي جيناتهم الثقافيّة، شاءت الوقائع التاريخيّة أن يشاركونا العيش على الأرض، ونحن الأجدر ونحن الأسمى ونحن الأعلى؛ كوننا في أعلى درجات السلم الحضاري معرفة وعلما وقوة وهيمنة. لذلك يجب ألا نمكنهم من فرصة ملكيّة شيء من أرض أو ووجود أو كرامة. يجب ألا نسمح لهؤلاء الوحوش بالبقاء أحرارا منفلتين من قيود الرقابة والهيمنة، حتى لا تعلو قوتهم؛ فيرهبوننا ويخوفوننا، ويسيطرون علينا. لذلك لابدّ أن نلقّن هؤلاء المسلمين العرب دروسا في الحضارة والطاعة والانصياع لأسيادهم المتقدمين عليهم. علينا أن نستعمرهم وسنتعمرهم، ونستعبدهم، ثم نستعبدهم، ونصنع لخلفياتهم الأذناب ونلصقها بها، حتى نحولّهم إلى كلاب حراسة في حظائرنا، أو إلى بغال نركب عليها، وتحمل فوقها من صحرائهم ثرواتنا. وإلى ثيران، نخصيها، ونجعلها تعمل في خدمتنا وبإمرتنا. فهم بشر، لا يتقنون شيئا غير التوحش البدائي وممارسة الغرائز الدنيا، وعلينا أن نحسن ترويضهم بضرب السياط والتجويع والقصف والقذف واحتلال العقل والأرض والإرادة، لكي تتحصّل لهم مواصفات جديدة؛ فيحسنون الخدمة وإتقان أدوار التبعيّة.

ويأتينا”منا”من قافلة الديكة والطواويس، من يقول ….عليكم ان تتقنوا تقليدهم والانصياع إليهم، فهم الأعلى مرتبة، وهم الأرقى، وعليكم أن تصمتوا على ما تسمونه ظلما، وتنفتحوا عليهم. وإذا كانوا، كما تقولون، قد استعبدوكم؛ فلأنّهم الأقوى والأذكى والأكثر جدارة بالتفوق؛ ولذلك عليكم أن تقبلوا، وأن تفهموا لماذا استعبدوكم، وكفّوا عن رفضهم، تحت مسمى المؤامرة؛ فليس هناك مؤامرة. إنها من اختراع عقلكم المريض المتخلّف السلبي. إن الشعوب واحدة.والرب واحد. وليس هناك من نهب لخيراتكم. ولا حرب ضدكم، وليس هناك من يستبد بكم. المشكلة لديكم أنتم؛ لأنكم تكروهون الآخرين وتكرهون المختلفين عنكم، وتغارون من الأقوى وتحاربونه بالمكر والانقلاب الفاشل عليه.

آه من هؤلاء الديكة…؛ كأنّهم لا يرون أن من يدافعون عنهم تحت مسميات الجدارة والحضارة والتفوق والأحقيّة والأصلح هم ليسوا إلا الوحوش التي قامت بغزو بلادنا منذ مئات السنين، عندما بدأنا نضعف وتضعف هويتنا الثقافيّة، ومارست الوحشية فينا، بأشد أشكالها، تحت مسمى الدين وإرضاء الله وكسب رضاه وجنته وإنقاذ أبناء الرب من اضطهاد الوحوش المسلمين. آه من هؤلاء… إنهم يختالون في ألوان الطاووس، كأنهم ما رأوا أننا عندما ضعفنا، وعندما ضاعت منا عصبية هويتنا، وعندما حل بنا التقسيم والفرقة بسبب اختراعات سايكس بيكو ووعد بلفور في صبغته العنصريّة الإباديّة وإسرائيل والاستعمار والرأسمالية والإمبريالية والصهيونية اليهودية وغير اليهوديّة. أصبحنا عبيدا وأصبحنا خارج سرب الإنسانية وحقوقها، وصار للكلاب التي يرعونها في حدائق حيواناتهم أهميّة أكبر بكثير منا.

وعندما جاءت ثورة العرب، التي يسمونها ربيعا عربيا، وهي ثورة تاريحيّة لشعوب عربيّة مقهورة، أغلبها من المسلمين الذين يحتقرونهم، ضربت بمخططاتهم الاستعمارية والاستبداديّة أرضا، وزلزلت الأوضاع الناهبة والاستعلائيّة القائمة، وحملت في معانيها السياسية والاجتماعية والفكرية تجليات من المعانى الدينية، فالشعوب العربيّة، المقهور أكثرها على يد كلابهم المطيعة النابحة من أنظمة الاستبداد ومنظوماته الثقافية والاجتماعيّة، قد خرجت ضد ميراث القهر والاستعباد والإذلال والاحتقار والنهب وتهميش الهوية ببعديها الوطني القومي والديني، في سعي لاستراد كرامتها وحريتها وحقها الإنساني، غير عابئة باتهامها بصفات: الهمجية والغوغائية والبربريّة، لأنها عانت طويلا، عبر قرون كثيرة من جشع هذه الصورة النمطيّة الراسخة الثابتة.

شعوبنا، قد لا تملك الآن كثيرا من مقومات النهوض والقوة؛ مثل الصواريح والمدافع والأسلحة النووية، والمعرفة والعلم والصناعة والمال والإعلام، وهي مقومات يملكها الغرب السياسي الاستعماري، ؛ لكنها تمتلك الإرادة والتصميم والإيمان بالحرية والكرامة، وروح الشهادة والفداء، وهي مقومات معنوية أساسية في النهوض والرفعة..إنه صراع مع الغرب الاستعماري، بوكالة أنظمة الاستبداد العربيّة وواجهاتها المختلفة، التي كان الغرب الاستعماري أنشأها ودعمها وكفلها ورعاها . لكنّ الصراع سيستمر، ومن الطبيعي أن يبدو، في شكل من أشكال تجلياته، صراعا دينيا؛ لكنه صراع بين قوة مهيمنة تستخدم كل أشكال الهيمنة ومن ضمنها الدين أو العلمانيّة، وبين قوة صاعدة رافضة للهيمنة سترد بالأسلحة ذاتها المستخدمة ضدها، قبل أن تصنع أسلحتها الفكرية والمعرفية والثقافية والمادية الجديدة. وتستمر المعركة.

نعم هناك قتل جماعي ممنهج في سوريا، لأنّ الفرق بين طرفي الصراع كبير جدا؛ لكن من قال أن القتل الجماعي البطيء والسريع لم يكن ممارسا فيها من قبل؟ ومن قال أن انتصار الثورات مرتبط، فقط، بعدد العسكر وحجم قوتهم العسكرية. أليس هناك أسلحة أخرى أثبتت تاريخ الثورات أهميتها مثل صلابة الإيمان والمعتقد ومتانة الصمود وسط الشدائد الشديدة على أرض المعركة؟. وأين دور قوّة الإرادة في تحقيق النصر؟ ومن هنا, من الطبيعي أن يكون للبعد الديني دوره، كردة فعل، وكبناء فعل، وكعصبيّة تفعيل الكفاح. ويجب ألا يكون ذلك مدعاة كوابيس وتشاؤم؛ لأنه أمر مرحلي؛ فلنكن متسلحين بالوعي لكي تفهم طبيعة المعركة ونجاري قوتها ونقويها، قبل أن نتابع فصولها الأخرى في معركة التنوير ومأسسة الهوية العقائديّة الناضجة، والتعريب وبناء دولة الحضارة والقانون والحريّة والعدالة.

د. سماح هدايا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.