ليالي الحصار تلوح في الأفق

محطات من التغريبة الشامية (3)

حاولت النوم كثيرا ولكن دون جدوى، كانت ساعات الليل تمرُ وكأنها أيام وشهور، حتى غفوت متعبة بعدما تبللت وسادتي بالدموع، فاستيقظت بعد فترة قليلة فزعة، وكأنني تذكرت خلال نومي ما جرى. نتابع معكم مشهداً جديداً من مشاهد الصمود والحصار في غوطة دمشق.

الأيام السورية؛ نور الشامي

لم تمضِ الأيام بعد ليلة الكيماوي بتلك البساطة، ظلت أشباح الخوف تلاحقنا من معاودة القصف مرة أخرى، وبقيت النوبات الارتدادية للمرضى مستمرة، من زلات تنفسية ونوبات اختلاج وهستيريا إلى نوبات حمى.

والدي والسارين

في أحد الأيام وبينما كنت في المستشفى وكعادتي أبدل ضماد أحد المرضى، دخل أحد زملائي بسرعة، شاحب الوجه قائلا “أبوكِ بالإسعاف انزلي بسرعة”، وكلت مساعدتي بإكمال الضماد وهرعت مسرعةً لأرى والدي، الذي نسي ـ بعد عودته من المساعدة بالإخلاء في تلك الليلة المشؤومة، من شدة تعبه وصدمته ـ تبديل ملابسه، ونام مرهقا مكللا بآثار السارين، غير مدرك لعواقب تصرفه، دخلت الإسعاف لأجده بوجه محتقن شديد الاحمرار، حرارة مرتفعة جداً، وقطرات العرق تملأ جبينه، كان شبه غائب عن الوعي؛ أعطاه الطبيب العلاج المناسب وتركه تحت المراقبة لمدة ثلاث ساعات مراقباً علاماته الحيوية.

سألت الطبيب فأخبرني “أن هذه الحالة ستتكرر معه عدة مرات حتى يتخلص جسمه من آثار السارين بشكل نهائي، مثله كمثل العديد من المصابين والمصابات خاصة الحوامل منهن”.

وللحوامل؛ قصص أخرى في المعاناة من هذ الغازات السامة، فقد لاحق كيماوي الأسد الأجنة في أرحام أمهاتهم، مسبباً بعض التشوهات عند بعضهم، فأجبرهن على التخلي عن الأجنة، أو الانتظار لحين ولادتهم فيغادروا الحياة قبل أن يلجوا فيها.

ساعات قليلة تحسنت خلالها صحة والدي وخرجنا سوية عائدين إلى المنزل، لأجد خطيبي ينتظر عودتي متعباً تظهر عليه نفس الأعراض التي أصابت والدي، أعطيته الدواء اللازم وتابعت مراقبته، بقيت هذه الأعراض عندهما تختفي وتظهر لعدة أسابيع بعدها، لكن آثار تلك الليلة لا زالت إلى الآن منحوتة في عقولنا، ولكن تواتر الأحداث وسرعتها وتجدد المجازر في الغوطة يجعلنا في حدث جديد كل يوم يكاد ينسينا ما جرى قبله.

مؤازرة قبل العرس بأسبوع

تمضي الأيام ويأتي خطيبي ذات ليلة على عجل ليخبرني أنه ذاهب لتلبية نداء مؤازرة طلبها الشباب (كنا نستخدم هذه الكلمة كناية عن الثوار في أحاديثنا خوفا من تسريب الأخبار أو انتشارها) في منطقة “برزة والقابون” فجاوبته: “مؤازرة شو… وعرسنا بعد أسبوع؟”، نظر إليّ مستغرباً هذا الموقف مني، كانت نظراته عوضاً عن مئة جواب، استودعته الله وغادر.

كان من المفترض أن يغيب أسبوع، كانت محادثاتنا وطرق الاطمئنان عليه صعبة نوعا ما، بسبب سوء شبكة الاتصالات أو صعوبة شحن الهواتف النقالة، كنت أنتظر ساعة هدوء القصف وأضطر للصعود إلى الطابق الخامس حتى يتاح لي التحدث إليه، كنت أخشى من مكالمة لا أسمع بها صوته، أو يصلني بها خبر سيء عنه، لكن الخبر السيء لم يكن يخصه وحده، إنما هو وجميع المتواجدين في تلك المنطقة، فقد تم حصارهم من قبل قوات النظام بعد خسارتهم بعض النقاط المحيطة بهم، نزل الخبر عليَّ كالصاعقة، كنت أحدثه بشكل يومي تقريباً.

انفجار عبر الهاتف

في أحد الأيام طالت ساعات القصف على الغوطة دون انقطاع، انتظرت حتى ساعة متأخرة من الليل لأتمكن من التواصل معه، صعدت إلى السطح أنا وأخي وأخذت زاوية بعيدة قليلاً عنه واتصلت بخطيبي، لم أكن أعرف ما يجري عندهم، اتصلت مرة… واثنتين… وها أنا أحاول للمرة الثالثة وبدأ قلبي يخفق بسرعة (شوقا له وخوفا عليه)، أجابني بتعب: “نور لحد الآن نحن بخير بس القصف ما عم يوقف ادعولنا”.

لم يتم كلامه بعد؛ حتى قطع صوته عني انفجار قوي بجانبه؛ زاد خفقان قلبي وصرخت: يا الله…شو صار عندك طمني؟ دون رد منه، وما زلت واضعة السماعة على أذني أرجو منه رداً، لكن كل ما أسمعه أصوات عالية، أشخاص يركضون، نداءات استغاثة تقطع القلوب، وأصوات لا أستطيع فهمها… وهنا سمعت صوت خطيبي بينهم، إني أميزه بدقة، فصوته الشامي بلهجته التي يتميز بها أهل الميدان وقع خاص على أذني، أسمعه ينادي قائلا: بسرعة اطلبوا الإسعاف تصاوبوا الشباب ولك بسرعة”. وانقطع الاتصال بشكل نهائي بعدها.

أكاد أصاب بالجنون من شدة القلق والخوف، ركضت نحو أخي باكيةً أطلب منه التواصل مع أصدقائه هناك ليسأل عن الأخبار، حاول كثيرا لكن دون جدوى، جميع الخطوط مغلقة، هنا اتصلت صديقتي قائلة: “لك اتصلي بخطيبك خليه يطمئنا عن أخي، عم اتصل عليه مسكر هاتفه، وكمان جارتنا بدها تطمن ع زوجها ما عم يرد عليها، اتصلي بسرعة الله يخليكي” أجبتها: “هلأ حاكاني وقال هن بخير بس ما عندن كهربا يشحنوا الهواتف” نعم كذبت عليها.. ولا أعلم ماذا حل بهم، لا أريد أن يعيشوا ليلة كالتي تنتظرني، نزلت إلى البيت محطمة الآمال، ومئات من وساوس الشيطان تدور بخاطري، ماذا لو سقطت قذيفة أخرى أثناء إخلاء المرضى؟! ماذا لو لم يستطيعوا إخلائهم من شدة القصف؟!

ليلة دون نوم

حاولت النوم كثيرا ولكن دون جدوى، كانت ساعات الليل تمرُ وكأنها أيام وشهور، حتى غفوت متعبة بعدما تبللت وسادتي بالدموع، فاستيقظت بعد فترة قليلة فزعة، وكأنني تذكرت خلال نومي ما جرى، حملت هاتفي وصعدت للسطح، وكلما أصعد درجة تراودني أفكار بشعة، وأسئلة تنخر رأسي، ماذا حل بخطيبي وأصدقائه؟ أسرعت بالصعود حتى أحصل إلى الجواب وأطرد هذه الوساوس من رأسي، وأول ما دخلت بباب السطح رن هاتفي بنغمة الرسائل التي أضعها، أسرعت بفتح رسالة منه “أنا بخير بس نزل القصف بالحارة وتصاوبوا ناس كتير وتعذبنا بإسعافهم”، هدأت قليلا ورفعت رأسي لأرى الشمس ترسل أولى أشعتها الذهبية لتجفف بقايا الدموع على خدي وتبعث في نفسي أن بعد الظلام الدامس فجر جديد، فيما كانت نسمات الصباح الخريفية المنعشة تشرح الصدور.

تمنيت أن أسمع صوته ليطمئن قلبي، حاولت الاتصال به لكن الخط مغلق، فنزلت حتى أجهز نفسي للذهاب إلى دوامي اليومي في المشفى.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.