لوركا.. المسرحي والشاعر الذي جعل المرأة رمزاً لمعاناة إسبانيا الوطن

ترك لوركا وراءه ثورة وثروة لا تنضب رغم الفترة القصيرة التي عاشها ترك كلمات لا تندثر عبر تاريخ الأدب العالمي المعاصر وكون مدرسة تأثر بها كل من قرأ كلماته.

الأيام السورية؛ محمد محسن

فِدريكو غارثيا لوركا/ Federico García Lorca مسرحي وشاعر إسباني، ولد عام 1898 في بلدة فوينتِه باكيروس Fuente Vaqueros قرب غرناطة Granada. كان والده مزارعاً ثرياً يملك الكروم والخيول، وكانت والدته معلمة في مدرسة ابتدائية، ثم تفرغت لبيتها وأولادها. وهي من ساهمت بإدخاله إلى عالم المعرفة في سن مبكرة.

البدايات والدراسة

تلقى دراسته في قريته ثم في “الميريا”، أما المرحلة الثانوية فتابعها بغرناطة التي كانت أسرته قد انتقلت إليها منذ عام 1909؛ وبعد أن أنهى دراسته الثانوية، ثم الجامعية في كلية الحقوق علاوة على حضوره محاضرات في الأدب والفلسفة. إلاّ أنه لم يقدم الامتحانات النهائية بسبب انشغاله بالقيام بجولات كثيرة وطويلة الأمد في أنحاء غرناطة متعرفاً تراثها وفنونها الشعبية، جامعاً الأغاني والحكايات والألحان التي كانت أهم مصادر إبداعه الشعري والمسرحي.

تنوع مواهبه الفنية وعلاقاته الثقافية

في هذه المرحلة برز تفوق لوركا في العزف على آلتي البيانو والغيتار، وكذلك في الرسم، كما تعمقت قراءاته في الأدب الإسباني القديم والشعر والمسرح المترجم، وارتبط بعلاقات صداقة مع أدباء وفناني مدريد، التي انتقل إليها عام 1919 مثل لويس بونويل، وإميليو برادو، ورفائيل ألبرتي، وسلفادور دالي، وغيرهم.

وفي سنة 1921 عقد صداقة عميقة وقوية مع موسيقار إسبانيا الكبير”مانويل دي فايا” الذي تلقى على يديه دروسا في الموسيقى ساعدته على صقل موهبته الموسيقية ونمت في روحه تلك الرغبة الدفينة؛ فاستخدمها، كما ينبغي، في استيعاب وتسجيل الأغاني والألحان الشعبية؛ وبالأخص الأندلسية.

كما عُرف عن لوركا كونه محاضراً لافتاً في لغة ذات جمال مؤثر واطلاع واسع، ولهذا كان غالباً ما يدعى إلى المنتديات والجمعيات الأدبية والفنية للتحدث في الأدب والفن الإسباني القديم والمعاصر، في إسبانيا وأمريكا الشمالية والجنوبية في أثناء رحلاته بين عام 1929و 1934 تعرف في بوينس آيرس إلى بابلو نيرودا.

لوركا في شبابه(أنطولوجي)

مناهضته للفاشيين

عرف عنه مناهضته للفاشيين ومناصرته للجمهورية، فوقف إلى جانب الجمهوريين على الرغم من نفي كونه سياسياً حين قال: “أنا أبداً لن أكون سياسياً، أنا ثوري وليس هناك من شاعر حقيقي إلا وكان ثورياً” مع ذلك كانت قصائده بمثابة شرارات تلهب حماس الشعب للوقوف بوجه الديكتاتور (فرانكو) وأنصاره.

كان لوركا قلب اسبانيا النابض بالحياة والذين قتلوه إنما أرادوا الإجهاز على الثورة التي تقف بوجههم لكنهم لم يكونوا ليعلموا بأنهم أحيوا الشاعر أكثر وأحيوا كلماته عبر التاريخ وبأنهم رووا بدمه جذور كلمات في أرض الأندلس لم تكن لتموت بموت صاحبها.

لقد حمُّل الجنرال فرانكو وأنصاره المسؤولية والاتهام بالوقوف وراء اغتيال لوركا وخصوم فرانكو الكثيرون صبوا جام غضبهم عليه وأضافوها على جرائمه الكثيرة لتكون الجريمة الأبرز، وما زال الجدل حول موته قائماً، لكن في الحقيقة إن شعر لوركا كان سبباً رئيسياً لقتله إلا أنه كان أيضا السبب الرئيس لخلوده.

لوركا الشاعر

وعلى صعيد الشعر صدر للوركا ثلاثة دواوين؛ هي “قصائد قصصية غجرية” عام 1924، و”قصيدة الأغنية الشعبية الأندلسية” عام 1931، و”شاعر في نيويورك” عام 1940.

غلاف مجموعة شعرية(فيسبوك)

عند صدور كتاب “قصائد قصصية غجرية” كان له وقع استثنائي في الوسط الأدبي الإسباني الذي كان يطالب بالشعر النقي، في حين استمدت قصائد لوركا قوتها من تقاليد القصيدة القصصية الشعبية كما تجلت في الأغاني الغجرية، لم يقع لوركا أسير اللغة التراثية بقدر ما اشتغل على صقلها لتحقق أعلى درجات التعبير والإيحاء.

وفي الديوان الثاني “قصيدة الأغنية الشعبية الأندلسية” تابع لوركا تجربته في استلهام تراث الأغنية الشعبية الأندلسية التي تتناول في القصيدة الواحدة مشاعر متناقضة كالحب والبغض والإيثار والأنانية في لغة تصويرية عميقة التعبير، بالغة التأثير، حيث صار لهذا الأسلوب الشعري الجديد/القديم أتباع ومقلدون.

أما قصائد الديوان الثالث “شاعر في نيويورك” فهي تعكس الزلزال الذي عاشه لوركا في الولايات المتحدة، وفي نيويورك خاصة من خلال مواجهته مع حقيقة الحضارة الصناعية الرأسمالية التي حولت الإنسان إلى آلة مفرغة من الإحساسات والمشاعر، وكانت أدواته التعبيرية متأثرة بتراث السريالية الإسبانية، ولكن من دون أن تجردها من جوهرها الشفاف. وقد ترجمت مؤلفاته إلى لغات عدة، منها العربية.

لوركا في صورة مع اصدقائه في نيويورك جامعة كولومبيا(يوتيوب)

لوركا المسرحي

كتب لوركا خلال حياته القصيرة اثنتي عشرة مسرحية، أولاها “سحر الفراشة اللعين” عام 1920، وآخرها “بـيت برنـاردا ألبا” عام 1936، والتي

غلاف مسرحية(فيسبوك)

تكون الجزء الثالث من ثلاثية مأساة المرأة الريفية الإسبانية مع “عرس الدم” عام 1933، ثم “يرما” عام 1934.

أما مسرحيته التاريخية الوحيدة التي استمد موضوعها من التاريخ الوطني الإسباني فهي “ماريانا بينيدا” عام 1924، التي سمع قصتها من أفواه الناس طفلاً وتابع موضوعها شاباً. وفي أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية كتب لوركا مسرحية “بعد أن تمضي خمس سنوات” عام 1930، و”الجمهور” عام 1930.

و”زوجة الإسكافي المدهشة” عام 1931، كما كتب بأسلوب مسرح العرائس “الصور التمثيلية للسيد كريستوبال” في العام 1931.

إضافة إلى مسرحيات تتمحور أيضاً حول المرأة مثل “السيد برليمبلين يـحب بيليسا في حديقته” العام 1933، و”الآنسة روزيـتـا العانـس” عام 1935.

المرأة عند لوركا رمز لمعاناة إسبانيا الوطن

تعالج معظم أعمال لوركا المسرحية أوضاع المرأة الإسبانية التي تسقط مأساوياً نتيجة طغيان التقاليد والأعراف الأخلاقية التي تكبل حريتها وتقيد إمكانيات تفتحها على متطلبات العصر وانخراطها عنصراً فاعلاً في الحياة الاجتماعية الاقتصادية.

إنها صرخة مدوية ضد السلفية الأخلاقية التي تعاضدها الكنيسة الكاثوليكية والبرجوازية المهيمنة اقتصادياً وسياسياً. إن شخصياته المسرحية كائنات حية تعاني وتقاسي وتحاول باستماته اختراق السجون المفروضة عليها، ولكن من دون جدوى، لأنها تبقى محاولات فردية من طرف واحد في مواجهة نظام اجتماعي متكافل في الحفاظ على عوامل التخلف.

وإذا أنعم الإنسان النظر في تفاصيل ملامح شخصياته النسائية فسيدرك أن المرأة عند لوركا لا تقصد في ذاتها، بل هي رمز لمعاناة إسبانيا الوطن.

انتشرت مسرحيات لوركا وعُرضت على خشبات معظم مسارح العالم، ولاسيما في البلدان الاشتراكية السابقة. إلا أن هذا الاهتمام الاستثنائي به لا يعود إلى خصوصية مسرحه الشعري بقدر ما ينتج من عدِّ لوركا أحد مناهضي الفاشية وضحاياها.

تمثال لوركا(العربي الجديد)

وفاة لوركا

في عام 1936، أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، عاد لوركا إلى غرناطة. وهناك، اعتقلته القوات الوطنية التي كانت تسيطر على المدينة، وعلى الأغلب كانت التهمة الوجهة إليه هي كونه جمهوريًا.

كان الأوضاع مضطربة للغاية، ولم يفلح أصدقاء لوركا أو معارفه في إنقاذه من الموت، فأعدم رميًا بالرصاص بتاريخ 19 أغسطس/آب عام 1963. وما تزال الظروف المحيطة بوفاته لغزًا غامضًا حتى الآن.

تجاوز لوركا حدود غرناطة واسبانيا كلها ليصل إلى كل بقعة في العالم كذلك تجاوز حدود الزمن الذي عاش فيه ليخلد في ذاكرة الأدباء والمفكرين وحتى الثوريين في العالم فقد صارت كلماته نبراسا لكبار الأدباء والشعراء والمثقفين بالعالم يتداولونها ويناقشونها بل ويستمدون منها أفكارا وعبارات ودراسات لن تنتهي مادام في الكون متذوقون للشعر والفن.

ترك لوركا وراءه ثورة وثروة لا تنضب رغم الفترة القصيرة التي عاشها ترك كلمات لا تندثر عبر تاريخ الأدب العالمي المعاصر وكون مدرسة تأثر بها كل من قرأ كلماته.

مصدر نبيل الحفار، الموسوعة العربية موقع كتاب أنطولوجي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.