لماذا يغامر الشباب العربي بالهجرة؟

هل أوضاع النظام العربي، على اختلاف أشكاله، هي الحاضن الأكبر لإقبال ملايين الشباب على ركوب المخاطر طلباً للهجرة واللجوء؟ وما تأثير ما تمثله هذه الظاهرة من نزيف مرعب للبلدان العربية في إطاراتها العلمية، وطاقات شبابها، وآثارها الراهنة والمستقبلية؟

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

تثير ظاهرة رغبة ملايين الشباب العربي بالهجرة للخارج بكل الوسائل، بما فيها المغامرة، والمخاطر.. أسئلة كبيرة عن الأسباب..

ـ في محاولة للبحث عن الأسباب سنجد كومة منها تتمحور، وتنطلق من واقع البلدان العربية وطبيعة أنظمة الحكم السائدة فيها، وفي موقع الشباب ودورهم، وفرص العمل، وبالأساس من ذلك غياب الديمقراطية، واحترام حقوق وكيان وكرامة الإنسان، ناهيك عن سويات التطور، والتفاوت المريع بين واقع البلدان العربية وتلك الأوربية التي قطعت مسافات مهمة في التطور الشامل، وفي مجال احترام الإنسان وحقوقه، وتلك المساحة المتوفرة له ولعمله ومجالات الإبداع، فاتسعت الفجوة لدرجة لم يعد ذلك الحلم القديم بردمها قائماً.

ـ في الخمسينات، ومراحل النهوض وبدايات بلورة مشروع تحرري، وطني، قومي كان الانتماء للوطن قوياً، وكانت أحلام الاستقلال، وبناء دول متطورة عامل جذب لمشاركة الشعب، ورفض الهجرة للخارج بشكل عام.

وقد نُظر إلى طلاّب الهجرة نظرة سلبية تصل عند بعض القوميين المتشددين إلى التشكيك بوطنيتهم وانتمائهم، لكن هذه الوضعية تحوّلت جذرياً إلى حدّ أن اللجوء، والحصول على إقامة في الدول الغربية، أو الحصول على جواز سفر منها بات حلماً، وإنجازاً تقام له الأفراح، والتباريك، وتدفع ملايين الشباب إلى المغامرة طلباً للوصول إلى إحدى الدول الأوربية، أو الأمريكيتين.

ما الذي حصل:

ـ الذي حصل سلسلة من الهزائم، وخيبات الأمل، فتلك الشعارات التي شكّلت حلم ملايين العرب بالوحدة، والحرية والعدالة الاجتماعية، والتطور، والتقدّم، وحقوق الإنسان وكرامته، وغيرها كثير من شتات ذلك الحلم.. تبخّرت وأصبحت في عالم آخر لا علاقة له بالواقع، وتهاوى ما يعرف بالمشروع النهضوي من داخله، وعبر الهزائم العسكرية، وفي مجرى التحوّلات الارتدادية المتلاحقة.

ما يجري كارثة راهنة على المجتمعات العربية، ونتائجها المستقبلية ستكون أكبر أثراً، حين يفقد الوطن خيرة أبنائه، وجلّ شبابه، لدرجة أن الأغلبية العظمى من الشباب مستعدة للخروج إذا ما أتيح لها السبيل..

ـ على العكس من ذلك فقد أحدثت الهزائم المتتالية وقائع جديدة فقأت عيون الأحلام، وأفقدت أجيال الشباب الأمل بالعيش في أوطان تحترم إنسانية الإنسان، وتوفر الأمن والأمان الشاملين، وقذفت بقضية الانتماء إلى الضبابية، وردّات الفعل العنيفة التي تصل ـ عند الكثيرين ـ إلى ما يعرف بالانخلاع، أو اللاانتماء، وإلى البحث عن بلد آخر، وإطلاق أحكام قاسية على مفاهيم وطنية ذات علاقة بالأصول، وجذور الانتماء، والعروبة، والعرب.

ـ الهزائم لم تكن عسكرية وحسب، بل كان الأقسى منها تلك الهزائم التي طالت كل شيء، وبالأساس منها بناء أنظمة يكون للإنسان فيها مساحته، ودوره، وحقوقه، وكرامته، حين تموضع الاستبداد المكين بأنيابه الشرسة، وعمّ الفساد، واغتيال الحريات العامة والفردية، وغياب العدالة في الفرص والعمل والتعامل، واحترام قيمة العمل، والجهد بديلاً للواسطة والتمييز، وامتهان الإبداع، وغيرها من ظواهر ترسّخت كأسس لاستمرار تلك النظم، ومنها، أيضاً أشكال من التبعية للخارج بشكل مهين، ومذلّ.

ـ الهزائم المتراكمة لكل الأحلام، والشعارات، واستبدالها بأنظمة قمعية، أمنية، وبالدولة الأمنية التي تستخدم القمع والإخضاع، والتعامل مع الإنسان كرقم، بل كحشرة وسط تعميم الفساد المنظّم، ومجتمعات الاستهلاك المستوردة بقيمها وعلاقاتها، وترسيخ أشكال مافيوزية في الحكم.. وضعت المواطن خارج قوس، وكأنه من درجة متدنية، ولا علاقة له بالبلاد التي ينتمي إليها، ناهيك عن الخوف المزروع من التعبير، والحركة، والعمل..

ـ بالمقابل، ورغم تلك الانتقادات التي كانت توجّه ـ على العموم ـ للدول الغربية، خاصة تلك التي استعمرت بلادنا، أو في مواقفها من قضايانا الوطنية والقومية (فلسطين عنوان ومثال)، والكثير مما هو معروف عن طبيعة النظم الرأسمالية، إلا أن إنجازاتها في مجال حقوق الإنسان، واحترامها، وفي الضمان الاجتماعي والصحي، وبالأصل من ذلك توفير بيئة حرّة للعمل والإبداع جعلها “قبلة” المحرومين منها، وفي مقدمهم جلّ الأجيال العربية، من حملة الشهادات العليا الذين لم يجدوا في بلدانهم، حين عادوا إليها بعد إتمام دراستهم، لا الاحترام بحده الأدنى، ولا فرص العمل اللائقة، ناهيك عن توفير مستلزمات العمل والإبداع، واتسع المجال ليشمل مختلف الشرائح الاجتماعية التي تحلم بالهجرة بكل وسيلة ولو كانت عبر المخاطر الكبيرة التي تعرّض العديد للموت، والاعتقال، وأنواع المعاملة القاسية، ودون تفكير بوسائل العمل، ونوعيته، وساعاته، وما يستحقه من جهد مضن، أو بالعائد المالي.

الهزائم لم تكن عسكرية وحسب، بل كان الأقسى منها تلك الهزائم التي طالت كل شيء، وبالأساس منها بناء أنظمة يكون للإنسان فيها مساحته، ودوره، وحقوقه، وكرامته.

ـ نعم أوضاع النظام العربي، على اختلاف أشكاله، وباستثناءات ضئيلة، هي الحاضن الأكبر لإقبال ملايين الشباب على ركوب المخاطر طلباً للهجرة واللجوء، بكل ما تمثله هذه الظاهرة من نزيف مرعب للبلدان العربية في إطاراتها العلمية، وطاقات شبابها، وآثارها الراهنة والمستقبلية، وعلى موقع الوطن والانتماء إليه.

****

ـ وقد زاد طين بلّة ما تشهده عديد البلدان العربية من حروب أقرب للحرب الأهلية، خاصة في دول “الربيع العربي”، وما قامت به نظم القمع من شنّ حرب الإبادة، وكانت سورية المثال الأوضح، وبما دفع ملايين السوريين إلى النزوح والهجرة وطلب الهجرة، وتحمّل كل أنواع المشاق والمعاناة بهدف الوصول لأي بلد أوربي.. لدرجة أن العالم يفيض الآن بطلاب اللجوء، بينما تحمل الأخبار كل يوم غرق، أو فقدان عشرات الشباب الذين يحاولون عبور البحار بكل الوسائل..

ـ ما يجري كارثة راهنة على المجتمعات العربية، ونتائجها المستقبلية ستكون أكبر أثراً، حين يفقد الوطن خيرة أبنائه، وجلّ شبابه، لدرجة أن الأغلبية العظمى من الشباب مستعدة للخروج إذا ما أتيح لها السبيل..

ـ إن هذه المأساة الشاملة، المهددة بأفدح النتائج لن تتوقف طالما استمرت الأوضاع على ما هي عليه، ولن تجد بدايات حلولها إلا بقيام أنظمة تعددية، ديمقراطية تكرّس حقوق المواطنية الحقّة في دساتيرها وتطبيقاتها، وفي احترام الإنسان كغاية وقيمة عليا، وتجسيد العدالة بين الناس على أساس الكفاءة وليس الاعتبارات الأخرى، وتشكيل بيئة جاذبة يمكن أن تعيد مئات آلاف الشباب إلى بلدانهم ليسهموا في بنائها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.