لماذا نكتب!.. السخرية واللا اكتراث كفعل ممتع

الكتابة ليست فعل ترسيخ الحقيقة القائمة والمنهجية في السلطة الحالية، بل هي التشكيك حتى وإن كان غوغائياً بها، لأنّ هذا التشكيك سيكشف عن جوهر الأشياء يوماً ما. تشكيك غوغائي لا يعتمد أي منطق، لكن ما هو المنطق في البؤس الذي نعيشه فعلياً؟!

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن صورة الإنسان الذي يأخذ نفسه بجدية، هي صورة تقليدية جداً في هذا العالم، إنها صورة نمطية ومؤطرة بجوهر سياسي رغم أنها تُحيط نفسها ثقافياً وتحاول جاهدة إسقاط الصفة السياسية اللصيقة بالتفكير الشخصي لأنها تعتبر التوصيف السياسي وصمة عار، ومع ذلك هي موصومة فيه بعمق؛ إنها تقوم على معادل شفاء الآخر، وتعمل من منطلق إنقاذ هذا العالم من براثن التفكير الجاهل، بمعنى هي صفة بطولية وهذه البطولة هي الصفة الرئيسية بالتفكير السياسي وليس الثقافي الحقيقي.

لتبسيط الأمر، جميع الفلاسفة في العالم قدّموا نظرياتهم لتفسير الحياة من وجهات نظر خاصة، إلا ماركس كان يريد تغيير العالم بحسب رؤيته لاعتباره إياه فاسداً، تماماً كما التفكير الديني، إنه يريد إنقاذ العالم من براثن الكفر، تماماً كما المثقف خاصة والإنسان المعاصر عامة في عالمنا اليوم، يمارس الفعل النقدي لأنه يريد إنقاذ العالم.

المشكلة أن الجميع يعلم تماماً أنه لا يمكن إنقاذ شيء، ليس على المستوى الجمعي والدولي فقط، إنه لا يستطيع إنقاذ شيء حتى على المستوى الشخصي، ولذلك نشاهد صيغ الطرح التشاؤمي المغلّف بالعمق الفلسفي والتنظيري، إنها أشبه بأن تذهب لبائع فلافل وعوضاً من أن تقول له: “بدي صندويشة فلافل”، تقول له: “هل تعلم أن الفلافل أصله سوري وفكرة اللبن مع الفلافل تم جلبها أصلاً من مكان آخر”.

المشكلة أن الجميع يعلم تماماً أنه لا يمكن إنقاذ شيء، ليس على المستوى الجمعي والدولي فقط، إنه لا يستطيع إنقاذ شيء حتى على المستوى الشخصي، ولذلك نشاهد صيغ الطرح التشاؤمي المغلّف بالعمق الفلسفي والتنظيري.

البائع لا يهمه كل ذلك، إنه يريد أن يبيعك الفلافل فقط ويتحدث مع زميله بجانبه عن فتاته المثيرة جنسياً؛ فعوضاً من فتح حديث مع بائع الفلافل، يمكن أن تأكل الفلافل بصمت وتذهب لتستمع بالحياة متسكعاً بعد أن تشبع وتأخذ طاقة الطعام.

إننا كأشخاص نمارس الكتابة، نحاول تغيير العالم نصيّاً رغم معرفتنا لعدم فائدته فعلياً إلا على مستوى أفراد، وأفراد منفتحين أصلاً، ولأننا ندرك جيداً في أعماقنا بأننا لا نستطيع تغييره مادياً، هو بالنسبة للبعض أشبه بالفكاهة وإدراكهم العميق أن المسألة ساخرة لأبعد حد، وكل ما في الأمر هو تفعيل التهكميّة في نفس القارئ لجعله رافضاً لا مُغيّراً، لأنه أصلاً مثل الكاتب لا يستطيع تغيير شيء ولا حتى على مستواه الشخصي.

عندما نكتب مثلاً عن البوصلة السياسية ليس لأننا مقتنعين بأهميتها، بل لأنها ثيمة للسخرية العميقة من الأبعاد السياسية في الواقع، وعندما نكتب عن الديستوبيا وسيطرة التكنولوجيا ليس لأنها واقع حالي وسيتحقق مباشرة بل هي ثيمة تفعيلية للخيال لدى القارئ أن يحاول ممارسة السخرية مما يعتبره عالمه القائم الذي يمضي ساعاته كلها فيه ويدافع عنه، وعندما نكتب الأديان ليس لأننا نريد نفي هذا العالم بل جعل التابعين له يدركون تفاهة السلطة المتحكمة فيهم تماماً مثلما السياسة المتحكمة بالعقول الثقافية وقد جعلتهم طابوراً خامساً يعملون لديهم دون إدراك، وراء حرية التفكير والنقد.

المسألة بسيطة جداً في عالم الكتابة، إنها تخيلية، ساخرة، مسليّة، وممتعة، ومؤلمة بنفس الوقت؛ قد يبدو الأمر بالنسبة للقارئ أشبه بأن الكاتب يضحك على آلام القارئ وأفكاره، لكن ليكون الأمر مفهوماً، دعوني استعرض رؤية هنري ميلر في تعبيره عن هذا العالم: “واحدة من أعظم الصفات الكوميدية للحياة هي أنك تضحك وقلبك يتمزّق في الوقت نفسه. أي كوميديا أفضل من هذه؟”.

يكفي أن يفهم البشر ذلك الكشف ليكون الناس مدركين لحقيقة الشيء المتمسكين به اليوم ومدافعين عنه لأنهم لا يريدون مغامرة خسارة الكاريزما الزائفة التي يمتلكونها ويحققون من خلالها بعض الحضور الوهمي الذي لا معنى له.

فعل الكتابة اليوم هو تماماً قائم على هذا المعنى من التهكميّة والسخرية واللاكتراث والكوميديا الذاتية التي نعيشها جميعاً، ما عدا بعض الأشخاص الذين ما زالوا يمتلكون التوهّم العقلي في ذواتهم، وهي المشكلة الحقيقة فعلاً في عالم اليوم، هي أنهم يعتبرون أنفسهم منقذين للعالم وأبطال مغمورين يحتاجون كل التقدير من العالم المحيط بهم، على الرغم أنهم يعلمون تماماً أن التقدير الحقيقي تاريخياً لكل البشر كان متجهاً للأشخاص الذين هم أصلاً قد رفضوا معتقدات الواقع القائم في أزمنتهم، ليس لأنهم مقتنعين مئة بالمئة بسوء معتقدات عصرهم، بل لأنّ فكرة أن نكون طبقات مسحوقة ومغمورة مثيرة للتسلية والتفكير والتهكمية حتى لو وصلت لتدمير هوية العالم القائمة، لأنّ جوهر الأشياء لا يمكن الوصول إليه دون تحطيم الواقع وأفكاره وحقائقه بأي طريقة كانت، إن كانت كوميدية أم تراجيدية، على الأقل داخل العقل الشخصي للإنسان.

الكتابة ليست فعل ترسيخ الحقيقة القائمة والمنهجية في السلطة الحالية، بل هي التشكيك حتى وإن كان غوغائياً بها، لأنّ هذا التشكيك سيكشف عن جوهر الأشياء يوماً ما. تشكيك غوغائي لا يعتمد أي منطق، لكن ما هو المنطق في البؤس الذي نعيشه فعلياً؟!. الرفض الدائم يثير غضب الآخر فيجعله مكشوفاً تماماً، وبما أننا المسحوقين والمغمورين، فهناك آخر يجب أن ينكشف جوهره حتى لو لم يتغير الواقع، يكفي أن يفهم البشر ذلك الكشف ليكون الناس مدركين لحقيقة الشيء المتمسكين به اليوم ومدافعين عنه لأنهم لا يريدون مغامرة خسارة الكاريزما الزائفة التي يمتلكونها ويحققون من خلالها بعض الحضور الوهمي الذي لا معنى له.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.