لماذا نخاف من الحرية.. هل الرجل والمرأة عدوّين

هل مئات المقالات والأفلام والمحاضرات والندوات، حول تحرر المرأة، والتي تقام سنويّاً ساهمت في زيادة حرية المرأة، أم زادت هوة البعد والعداء بينها وبين الرجل وبينها وبين الحرّيّة وبين الرجل والحرّيّة أيضاً؟

الأيام السورية؛ فاديا الحاج فاضل

يشرح “إيريك فروم” في كتابه “الخوف من الحرّيّة” عن حقيقة شعور الإنسان تجاه الحرّيّة رغم سعيه الظاهريّ الدائم ورغبته العارمة في التحرّر، ويبيّن الكاتب الفرق بين مصطلحي “الحرية لـ” وبين “التحرّر من” شارحاً الخلل الذي يعتري الإنسان أثناء بحثه وسعيه إلى الحرّيّة ممّا يؤدّي إلى خوفه وهروبه منها.

ووفقاً له فإنّ العديد من العوامل الهامّة تساهم في زيادة هذه الهوّة لذا يبدأ هذا الكتاب بشرح كامل لمعنى “الحرّيّة”. يورد “فروم” مفهوم الحرّيّة الشامل ومن ثمّ يغوص بالتفصيلات والربط ليشمل ضمنه فيما بعد “الحرّيّة” في المجالات الحياتيّة كافّة التي يعيش ضمنها الإنساِن.

وما يحاول شرحه “فروم” خلال هذا الكتاب بشكل أكثر تحديداً هو التناقض الكبير في حركة الإنسان تجاه الحرّيّة، ما بين ساع لها وهارب منها.

ولعل أوضح مثال يمكن أن يشرح لنا بشكل سهل عن هذا الأمر هو السعي نحو التحرّر الأنثويّ المستمرّ على مدى أكثر من قرن، ولعلّ النساء العربيّات قد بدأن بسعيهنّ مؤخّراً مقارنة بغيرهن، إلّا أنّه حتّى الآن لم يحقّقن أيّ خطوات حقيقيّة تساعد في الوصول إلى الهدف.

كيف فهمنا تحرر المرأة في مجتمعاتنا العربية؟

بعيداً عن المقارنات بين النساء العربيّات وبين النساء الغربيّات، يُطرح الآن السؤال الذي يدور، لماذا لا تزال النساء في العالم العربيّ أقلّ حظوة للحقوق المدنيّة؟

بنظرة خاطفة لما يحدث هنا، نستطيع أن نلاحظ أنّ الشعارات كافّة، اللواتي ننادي بها (رجالاً ونساء) من أجل تحرّر المرأة ومنحها حقوقها المدنيّة كافّة، وتحقيق المساواة بين الجميع، لم تحمل عمقاً حقيقيّاً لتمكين تحقيقها.

إنّ تحقيق الوجود الإنسانيّ لا يتطلّب إنشاب حرب مستمرّة على هذا النحو مع الرجل وتحويله من وجود إنسانيّ مستقلّ ـ أيضاً ـ إلى عدوّ لا يمكن الاستغناء عنه، وبالتأكيد لا يعني ذلك بصورة عكسيّة تجاه المرأة من الرجل.

لم يفهم من التحرّر عندنا حتّى اليوم إلّا “السماح” للنساء باختصار الملابس قدر الإمكان وزيادة نسبة الاختلاط بين الرجال والنساء والركض وراء تجرّع أكبر كميّات ممكنة من الكحول والرقص، فقط. وغالباً يرافق ذلك كره للجنس الذكوريّ، إضافة إلى سلوكيّات عصابيّة تدور ضمن المجال التحرّري السابق، أمّا ما عدا ذلك فلم يلق الطرح المناسب لتحقيقه.

الفارق بين التحرر والحرية

ويبدو أنّ السبب هنا، اعتماداً على مفهوميّ التحرّر اللذين طرحها “فروم”، يكمن نتيجة السعي المستمرّ من المرأة “للتحرّر من” الرجل، وليس بهدف “الحرّيّة لـ” تحقيق الوجود الذاتيّ الإنساني بحدّ ذاته.

وفي الحقيقة، إنّ تحقيق الوجود الإنسانيّ لا يتطلّب إنشاب حرب مستمرّة على هذا النحو مع الرجل وتحويله من وجود إنسانيّ مستقلّ ـ أيضاً ـ إلى عدوّ لا يمكن الاستغناء عنه، وبالتأكيد لا يعني ذلك بصورة عكسيّة تجاه المرأة من الرجل.

ونتيجة لهذا الضياع الذي يزداد حدّة يوماً بعد يوم لدى الرجال والنساء في هذه القضيّة، زادت حدّة الضغط على الجنسيّن وزاد تخبّطهما في هذا الأمر. وغدا هذا الضغط بِسِمَة اجتماعيّة أكثر منه شخصيّة خاصّة بتحقيق الوجود الإنسانيّ.

تحوّل اللباس إلى معيار لدرجة التحرّر النسائيّ

ولعلّ الخوف من نظرة الآخر هي أشدّ سماته. فكلّما زاد اللباس كلّما كان الرجل والمرأة كلاهما أشدّ تخلّفاً، وكلّما قلّ كلّما كانت المرأة والرجل أيضاً أكثر تحرّراً.

فأصبح الرجل (يسمح) لزوجته أو ابنته أو أخته بلبس المايوهات والتنانير القصيرة، ولكنّه في ذات الوقت لن يتهاون على الإطلاق فيما يخصّ بـ (إهمال) المرأة لمنزلها أو أطفالها أو مهامّها الموكلة إليها نتيجة دورها الاجتماعيّ كامرأة تابعة للرجل، حتّى وإن وصل الأمر به إلى الضرب أو في أفضل الأحوال الإهانة، مع شعوره الزاهي بفضيلته هذه وتهديده المستمرّ بحرمانها من حرّيّة لباسها أو تحديدها.

فما يحدث الآن يُبرّر بأنّه شكلاً مطوّراً أو معدّلاً للتحرّر، حيث يناسب طبيعة البيئة الاجتماعيّة العربيّة ولا يخرج عن التقاليد أو الأعراف أو التعاليم الدينيّة والاجتماعيّة بما يخصّ بوصاية الرجل على المرأة.

وفي المقابل تشعر المرأة بهذه المكرمة العالية التي تأتيها من طرف الرجل وتشعر بسعادة غامرة لأنّ الرجل الذي يسمح لها ما يريد هو وما لا يريده “متحرّراً” وينادي بتحرّر المرأة من الرجل.

تحرر يناسب طبيعة البيئة الاجتماعيّة

والمعضلة الأكبر هي هنا. فما يحدث الآن يُبرّر بأنّه شكلاً مطوّراً أو معدّلاً للتحرّر، حيث يناسب طبيعة البيئة الاجتماعيّة العربيّة ولا يخرج عن التقاليد أو الأعراف أو التعاليم الدينيّة والاجتماعيّة بما يخصّ بوصاية الرجل على المرأة، أي أنّ المجتمع قد قام بتطوير أو تعديل مفهوم التحرّر بما يناسب البيئة الخاصّة فنتج هذا الشكل.

في المقابل تماماً، فإنّ ربط فكرة التحرّر بهذه القشور قد دفع العديد من الرجال إلى حرمان بناتهم أو زوجاتهم أو أخواتهم من مئات الحقوق الأساسيّة في الحياة كحقّ التعليم والعمل وغيرها حماية لهن من هذا “الانفلات الأخلاقيّ” كما يرونه.

فبات معنى تحرّر المرأة مساوياً تماماً لمعنى الانحلال الأخلاقيّ لديهم. أي أنّ المرأة لم تخرج من تحت وصاية الرجل حتّى هذا اليوم، سواء أكانت “متحرّرة” أم ليست كذلك.

ورغم أنّ الرجل والمرأة ليسا عدوّين إلّا أنّهما أصبحا الآن هكذا. ورغم أنّ مئات المقالات والأفلام والمحاضرات والندوات تقام سنويّاً إلّا أنّها لم تزد المرأة تحرّراً، بل زادت هوة البعد والعداء بينها وبين الرجل وبينها وبين الحرّيّة وبين الرجل والحرّيّة أيضاً. إذ أنّها لم تقدّم أيّ فهم عميق وحقيقيّ ومناسب ونهضويّ حقّاً، يساعدها ويساعده في تحقيق وجودها ووجوده الإنسانيّ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.