لماذا نحب مارادونا؟ طفل فقير قفز فوق حاجز البؤس البشري إلى النيرفانا

ما الذي يدفعنا لمحبّة لاعب كرة قدمٍ بهذه الطريقة، وهو قد غادر الملاعب منذ ربع قرن، كاتب هذه السطور الذي أقلع عن متابعة كرة القدم منذ عقدين بكى لرحيل مارادونا فما سرّ هذا الحبّ؟ هل هو هوسٍ بكرة القدم؟ هل هو رمزٌ لجيلٍ سابق تجاوزه الزمن؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

أثار رحيل مارادونا المعتزل عملياً منذ عام ١٩٩٤ حزناً استثنائياً في العالم، وفي الأرجنتين بشكل خاص وفي نابولي التي ربما لم يحب أحد مارادونا كما أحبّته، وبين قسم من السوريين.

ما الذي يدفعنا لمحبّة لاعب كرة قدمٍ بهذه الطريقة، وهو قد غادر الملاعب منذ ربع قرن، كاتب هذه السطور الذي أقلع عن متابعة كرة القدم منذ عقدين بكى لرحيل مارادونا فما سرّ هذا الحبّ؟ هل هو هوسٍ بكرة القدم؟ هل هو رمزٌ لجيلٍ سابق تجاوزه الزمن؟

كان مارادونا أسطورة طفولتنا، وحين أقول أسطورة فلا يعني ذلك مجرد لاعب يمتلك مهارة استثنائية، ثمّة جملة إسقاطات من خارج المستطيل الأخضر، جعلت لمارادونا هذه المكانة الاستثنائية.

مارادونا، لحظة نيرفانا نادرة

لا أريد أن أنفي المقولة التبسيطيّة التي تقول إن كرة القدم وسيلة لخلق انتصارات بديلة لبشرٍ مسحوقين ومهزومين وإلهائهم، لكنني أعلق أن هذه المقولة تنفي المتعة الاستثنائية التي تحملها اللعبة، كما أنها أبسط لعبة جماعية متاحة لجميع أطفال العالم، يكفي حجران لصنع مرمى و كرة وربما تكي مجموعة خرق لصنع ما يشبه كرة لأطفالٍ فقراء.

ألم يبرّر مارادونا غشّه حين سجّل هدفاً بيده في ذات المباراة بقوله: إنها يدٌ إلهية، وكأنه يدرك مهمته النبويّة الكرويّة والطبيعة الدينيّة للساحرة المستديرة، لقد بلغ أبناء جيلي النيرفانا مع مارادونا.

تتقاطع كرة القدم مع الدين في طقوسها التشجيعيّة وشعاراتها (صلواتها)، في اتحاد جمهور اللعبة مع قدّيسيهم الذين يلعبون باسمهم ويجلبون لهم الانتصارات، يبدو اللاعبين المهرة كما لو أنهم صنّاع الأساطير والمعجزات، فثمة مهاجمون مثل المسيح الذي مشى على الماء يشقّون أرض الملعب فوق أقدام لاعبي الخصم ويسجّلون هدفاً، لكن قلّةٌ منهم يبلغون النيرفانا وتبلغ الجماهير معهم هذه الذروة، أوليس هدف مارادونا الشهير في مرمى الفريق الانكليزي في مونديال المكسيك بعد أن تجاوز أربعة لاعبين مثالاً لهذه اللحظة النيرفانيّة؟.

ألم يبرّر مارادونا غشّه حين سجّل هدفاً بيده في ذات المباراة بقوله: “إنها يدٌ إلهية”، وكأنه يدرك مهمته النبويّة الكرويّة والطبيعة الدينيّة للساحرة المستديرة، لقد بلغ أبناء جيلي النيرفانا مع مارادونا.

كرة القدم بين المتعة والتسليع

دفعت المتعة والحماسة التي تسود كرة القدم مفكراً نقدياً من وزن أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci لامتداحها بقوله: “إنها “مملكة الوفاء البشري هذه التي تُمارس في الهواء الطلق”، يبدو هذا الوصف وصفاً فروسيّاً يعود لزمنٍ آفل، فكرة القدم الحديثة باتت تمارس أحياناً في استادات مغلقة إن أخذنا الكلام على حرفيّته، وصار على اللاعبين أن يبرمجوا أجسادهم وأرواحهم للعب في أوقاتٍ تتناسب مع جمهور المشاهدين المتابعين في أرجاء المعمورة، إنهم يلعبون للشاشة أكثر مما يلعبون للمستطيل ولمتعتهم، ولجمهور المدرجات، ويلعبون كي يتيحوا للمعلنين أن يطرحوا منتجاتهم وللساسة أن ينشروا دعواتهم.

مارادونا كان ينتمي لهذا العصر الذي تحدث عنه غرامشي، إنه آخر أساطير كرة القدم الحرة الجميلة التي لم يكن يلعب فيها اللاعبون لصالح محطاتٍ فضائيّة، حين لم تكن كرة القدم وجبة متعة معلبة، وكان الخروج عن القواعد ممكناً دوماً. كان عدوه وراء الكرة يشبه عدو طفل أزعر في أزقّة فقيرة وجاهزاً دوماً لأن يفاجئك، فهو نشأ في ضواحي بوينس آيرس المهملة العشوائية وعانى حتى الجوع كما صرّح هو نفسه، كان عنيداً جاهزاً لمحاولة غش إبداعية ليفوز. كان آخر شعراء كرة القدم قبل أن يتحول اللاعبون إلى ممثلين محترفين على مسرح المستطيل الأخضر، إنه أجمل شعراء كرة القدم حين كانت مساحة متعة وحرية وجنون بشري.

لطالما وُصِف الفريق الأرجنتيني براقصي التانغو، لكن مارادونا كان أشبه بطفل عالمّي قفز فوق حاجز البؤس والفقر أكثر مما كان راقص تانغو مبدع، لذلك أحبه وعشقه أبناء البيئات الشعبية جميعاً، يبدو بقامته الغريبة على لاعب كرة قدم، الشبيه بكركدنٍ صغيرٍ، أشبه بساحر اقتحم المستطيل الأخضر.

صورة تعبيرية (سبوتنيك)

الجنوب الإيطالي الفقير ينتصر على الشمال الغني

المفارقة الأكبر أن مارادونا حقق الكثير من المعجزات لكن ابن الأحياء المهملة الفقيرة، لم يكسر سيناريو الأفلام الكلاسيكيّة والتجارية، حيث أن حديث النعمة لا يستطيع التعامل بنجاح مع المال والأضواء، فسرعان ما سقط فريسة لإدمان المخدرات وحياة الليل، وكانت نهاية حزينة للاعب استثنائيّ.

مارادونا كان آخر أساطير كرة القدم الحرة الجميلة التي لم يكن يلعب فيها اللاعبون لصالح محطاتٍ فضائيّة، حين لم تكن كرة القدم وجبة متعة معلبة، وكان الخروج عن القواعد ممكناً دوماً. كان عدوه وراء الكرة يشبه عدو طفل أزعر في أزقّة فقيرة وجاهزاً دوماً لأن يفاجئك.

شكل مارادونا ظاهرة استثنائية لكل أهالي نابولي، المدينة الفقيرة، المدينة التي تنتمي إلى الجنوب المسحوق، الذي ينظر إليه عدد غير قليل من أهالي الشمال باستعلاء، بل إن هناك حركات عنصريّة في الشمال تطالب بالانفصال عن الجنوب، فمثلاً يمكن أن تفتشك الشرطة إن كنت في ميلانو قادماً من الجنوب الذي يعج بالفقر والمافيا.

حين قَدِم مارادونا كان الجميع يتحدث عنه في نابولي شباناً وشيباً، أصبح مارادونا فتاهم المخلّص في المعركة الوحيدة التي يمكن لهم فيها أن ينتصروا على الشمال الغني القوي، بل إن مارادونا بهيئته وشخصيته يبدو واحداً منهم، إن المدينة التي كانت الكاثوليكية فيها طقساً صوفياً كانت تستمع بهرطقات مارادونا في المستطيل الأخضر، وبدأت نابولي ينتصر على الشمال، تحقق المستحيل، كان الأمر بمثابة فوز للمهشمين الجنوبيين (من صقلية ونابولي وغيرها من المدن) على الشمال الذي يملك كل شيء إلا مارادونا الذي قلب المعادلة.

كانت جماهير ميلانو تهتف بعنصرية حين يلعب فريق من فرقها مع نابولي: ” أجو النابوليتانيين، طلعت الريحة النتتة، حتى الكلاب طفشتوها بريحتكن”،” مصابون بالكوليرا، ضحايا الزلازل”.

وحين جاء مارادونا وبدأ فريق نابولي يحصد الانتصارات في معركة المستطيل الأخضر كانت جماهير نابولي تغني” ماما، ليش قلبي عم بدق، لأني شفت مارادونا، أنا عشقان”.

مارادونا كان آخر أنبياء القدم المهرطقين على المستطيل الأخضر، آخر فرسان مملكة الوفاء البشري، وحلم الملاييين بالقفز من بؤسهم إلى حياة جديدة، وداعاً مارادونا، وداعاً رقم ١٠.

في كأس العالم ١٩٩٠ كانت إيطاليا البلد المستضيف تسير بخطى واثقة نحو الفوز بالكأس، ولم يسجّل في مرماها أي هدف، حتى مباراة نصف النهائي مع إيطاليا حين كانت إيطاليا متقدمة بهدف حتى الدقيقة ٦٨ من المباراة، وبتمريرة هوائية ذكية من مارادونا لكانيجيا الذي سجل هدف التعادل، وبعدها حسمت الأرجنتين المباراة لصالحها بركلات الترجيح، وقع المحظور في هذه المباراة كان بعض النابوليتانيين يهتفون لمارادونا والأرجنتين، كان هتافهم المفضل: “نابولي ليست إيطاليا”.

مارادونا كان آخر أنبياء القدم المهرطقين على المستطيل الأخضر، آخر فرسان مملكة الوفاء البشري، وحلم الملاييين بالقفز من بؤسهم إلى حياة جديدة، وداعاً مارادونا، وداعاً رقم ١٠.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.