لماذا نحب السلوك الغبي؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

البشر بشكل عام، وأينما وُجِدوا، دائماً ما يطرحون نظرية مفادها: أن كل شيء يُحتمل ما عدا معاشرة الأغبياء. وفي موروثنا الشعبي أيضاً الكثير من العبارات التي تدلل على هذا المعنى من أمثال “الحياة مع البهيم، داء سقيم”. لكن ما هو المقصود بالسلوك الغبي؟.

مثلما عرّف العلم الحديث أنواع الذكاء وقسمها، فهناك على النقيض أنواع للغباء ولها أيضاً تقسيماتها؛ وحدد التفكير الفلسفي سبعة أنواع للغباء، وهو الغباء الخلقي، الذي يكون طبيعياً مع الولادة، أو ما يسمى بالقصور العقلي، والغباء المنطقي وهو وصول لنتائج لا علاقة لها بمقدمات، والغباء العلمي، وهو تفسير الواقع بإعادة الأمور للماورائيات، والغباء العاطفي وهو عدم الشعور بالآخر، والغباء المصلحي الذي يقوم على تبرير الغاية والوسيلة، والغباء الأخلاقي الذي يقوم على الإطاحة بكل قيم الآخر دون تفسير ونقاش عقلاني، والغباء التاريخي المرتبط بصورة أن الجماعات هم الحق المطلق وما عداهم لا يرتقون لمستوى البشر.

لكن استخدام لفظ ذكي وغبي، لا يأخذ التعريفات السابقة، وأصبح يُستخدم في المجتمعات بشكل عام على أنه ذو بعد واحد، يدلل على قدرة المرء بالتفاعل مع الحدث القائم بسرعة، بغض النظر عن الظروف الذاتية والمزاجية التي يمر فيها الفرد. فكثير من الأشخاص ذوو البديهية العالية قد يمرون بمواقف يصبحون فيها بليدين وأغبياء دون أن يفهموا هم أو من حولهم سبب التحول المفاجئ ذاك، لكن هذه بكل تأكيد استثناء وليست قاعدة.

وبعيداً عن التعريفات العامة أو خصوصيتها، يوجد حقيقة واضحة، وهي أن معاشرة الأقل انتباهاً للتفاصيل، والأقل إدراكاً في تحليل الحياة الواقعية، تجعلنا أكثر نفوراً منه، لكن بالمقابل نعشق السلوك الأكثر غباءً عندما يتعلق الأمر بالشخصيات الخيالية.

عندما كنا أطفال من منا لم يعشق توم وجيري والنمر الوردي، وعندما كبرنا من لم يُعجب بالأبطال الأغبياء في الأفلام والمسلسلات، كأغلب أفلام جيم كاري أو مثلاً المسلسل الأشهر بكوميديا الغباء الأسطورية في ضيعة ضايعة. وحتى في الأدبيات الكبرى، فإن ما نمتلكه إزاء تلك الشخوص، هي الأكثر معاناة مع مسحة من سذاجة وغباء وندرة في الإدراك وعدم الانتباه السريع، نحب شخوص دويستوفسكي وبيكيت وكافكا أكثر من شخوص بلزاك وبريخت وجويس.

توم وجيري (أصوات مصرية)

إننا كبشر أكثر تعلقاً مع الشخصية الغبية رغم رفضنا لها واقعياً، وإن بدا الأمر بشكل جلي أنه تعلّق خاص مرتبط بكوميدية الفعل البدائي لتلك الشخوص غير الواقعية، لكنه يفتح مجالاً لإدراكنا ومشاعرنا، ويطرح تساؤلاً مهماً حول تفاعلنا وتوقنا الشديد للحياة بمثل تلك النزعة البدائية؛ فهل سئمنا من الذكاء! أم هي نزعة الحسد البشري بأن الأكثر غباءً هو الأكثر سعادة!.

بطريقة ما في عصرنا المتواتر بسرعته الذكية، نشعر أحياناً بالرغبة المطلقة لتلك البدائية، نريد أن نعيش لحظات أكثر عفوية، ولا نمتلك أي نوع من تفكير متقدم أو تحليل أو صراعات امتلأت بها حيواتنا.

الأغبياء الخياليون هم أصدقاؤنا وملاذنا الآمن للتفريغ عن الغضب الواقعي الذي لا يُحل؛ وإن كان هذا الكلام متقدم بالنسبة للأكبر عمراً، فكيف نفهمه بالنسبة للسلوك الطفولي؟.

يمكن أن نصنف الفعل الغبي على أنه فعل كوميدي منغلق على الذات بطبيعته، ومنفتح بنفس الوقت على الآخر الذكي، إنه تماماً ما نراه في سلوك الطفل؛ يأخذ مجالاً من الارتباك وعدم الفهم السريع، يضعنا كبشر بمرتبة أعلى كتفكير وبالتالي محاولة الهبوط إلى العقل الساذج والعيش مع ترهاته الخيالية.

إننا ميالون لسماع القصص غير الواقعية، أو ما نسميهم بالأشخاص العفويون الكاذبون الذين يؤلفون قصصاً غير واقعية ويصدقونها ويؤمنون بأننا نصدقها، لكننا نعلم جيداً أنها عبارة عن أكاذيب. هذا التصديق من القائل لنفسه هو ليس أكثر من ممارسة غباء لذيذ وممتع، الغباء يمتلك خيالاً جامحاً في كثير من الأحيان. إنه تماماً شبيه بممارسة الطفل لذاته ونزعته العفوية للغباء. محاولة قول الشيء الغبي كي يثير ضحك الآخر.

في حياتنا المتقدمة، فقدنا كلياً هذا السلوك وأصبحنا أكثر بحثاً عن كيف نكون أذكياء، وبالتالي أكثر تراجيدية، أكثر مأساة وبؤس ومحاولة حل مشاكل الكون المطلقة.

إن علاقتنا مع شخوص الغباء الخيالية، علاقة أثيرية ومتينة جداً، تضغنا أمام عفوية الحياة وبساطتها ونزعتها التي تُحيلنا إلى جمال من نوع خاص، يرتقي بنا إلى الضحك العميق من كل الأذكياء المحيطين بنا وبتراجيدياتهم التي يحاولون من خلالها حل معضلات الإنسان الحديث.

وهذا بدوره ما يجعل كثير من البشر لا يكترثون عند ممارسة سلوك غبي قد يثير الضحك من أمثال قول شيء بديهي خاطئ، ليس لأنك لا تعرف ما هو الصحيح، لكن ممارسة الخطأ يفتح مجالاً من الخيال أمام منطق التراجيديا الذي نمارسه بشكل صحيح دائماً.

إننا نحب السلوك الغبي لأنه الوحيد القادر على افتتاح نزعة الفرح في عالم مليء بنزاعات الإصلاح العالمي. فلا وجود لكوميديا دون غباء.

مستر بن (نجومي)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.