لماذا خسر حزب الشعوب الديمقراطي؟

الكاتب: خورشيد دلي
لماذا خسر حزب الشعوب الديمقراطي نحو مليون صوت في الانتخابات البرلمانية التركية المبكرة؟ سؤال يطرح نفسه بقوة، لا لأنه لم يمض على فوزه الكبير في انتخابات 7 يونيو/حزيران سوى أشهر قليلة، بل لأن مشروع هذا الحزب طرح على أنه يمثل سياسة كردية جديدة في تركيا، كان يؤمل منها أن تكون رافعة للحل السياسي السلمي للقضية الكردية.
في محاولة للإجابة عن السؤال، لا بد من التوقف عند جملة من العوامل والأسباب. لعل أهمها أن ثمة من يرى أن الحزب كان الضحية الأولى للحرب التي تجددت بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني، فالحزب المتهم من الحكومة بأنه الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني لم يستطع إقناع خصومه بأنه غير ذلك.
وكان خطابه في هذا المجال ضعيفا، فالحزب الذي رفع شعار السلام، معارضاً للعنف، بدا مبرراً لحرب الكردستاني، كما بدا خطابه غير مقنع للشارع التركي، بما في ذلك الأوساط اليسارية التركية.
ومن العوامل والأسباب أيضاً، الحملة الكبيرة التي استهدفت الحزب، فتفجيرات ديار بكر، ثم سوروج وأنقرة، والاعتقالات الكبيرة في صفوف أنصاره، بدت كأنها حملة أمنية مدروسة ومنظمة، أدت، في النهاية، إلى عجز الحزب عن القيام بحملة انتخابية كبيرة، بمستوى معركة الانتخابات التي أعد لها حزب العدالة والتنمية كل الإمكانات. وقد بدا هذا الأمر جلياً في الغرب التركي، ولعل هذا ما يفسر قول زعيم الحزب، صلاح الدين ديميرداش، إن الحملة التي شنت ضد الحزب كانت كافية لمحو أي حزب سياسي من الخارطة.
وهناك البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية، إذ رشح كبار الشخصيات، ولا سيما من أصول كردية، فيها، مثل جودت يلماز عن ولاية بينغول وبشير أتلاي المسؤول السابق عن مفاوضات السلام مع الكرد عن ولاية فان، ويونس مميش عن ولاية دياربكر. وهكذا بدت المعركة شرسة مع حزب الشعوب الذي رشح الشخصيات نفسها في الانتخابات السابقة.
كما أن الأوساط الكردية الإسلامية عادت وصوتت، هذه المرة لحزب العدالة والتنمية، بعد أن صوّتت في الانتخابات السابقة لحزب الشعوب الديمقراطي، على أساس الانتماء للهوية القومية. وهنا، بدت بارزة أهمية الخطوة التي قام بها حزب الدعوة الحرة، وريث حزب الله التركي، عندما أعلن عدم مشاركته في هذه الانتخابات، وترك لأنصاره حرية التصويت، فذهبت أصواتهم لحزب العدالة والتنمية على حساب حزب الشعوب الديمقراطي.
وخامس الأسباب إعلان حزب المناطق الديمقراطي الذي يعد الجناح المدني لحزب العمال الكردستاني الحكم الذاتي في مناطق كردية، وحفره الخنادق ووضع حواجز على الطرقات، وهو ما زاد من المخاوف التركية من الانفصال من جهة، ومن جهة ثانية برّر للجيش التركي حملته العسكرية ضد الكردستاني.
وفي الحالتين، زاد من حدة الشقاق القومي الكردي – التركي، ومن اصطفاف القوميين الأتراك وراء حزب العدالة والتنمية. وهذا ما بدا جليا من الخسارة الكبيرة التي لحقت بحزب الحركة القومية، وبدرجة أقل حزب الشعوب الديمقراطي.
هذه الأسباب وغيرها هي التي تقف وراء خسارة حزب الشعوب الديمقراطي الذي بالكاد تجاوز العتبة الانتخابية شرط الدخول إلى البرلمان. وفي ضوء هذه النتائج، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا سيفعل الحزب في المرحلة المقبلة؟ وكيف سيتعامل مع نتائج فوزه الكبير واستحقاقاته؟ ثمة من يرى أن المرحلة المقبلة تتطلب من الحزب في تركيا سياسة جديدة على الأقل أكثر وضوحاً، تجاه حزب العمال الكردستاني وقضية العنف، وإن مثل هذه السياسة قد تضعه أمام صفقة مع حكومة حزب العدالة والتنمية التي بدورها تبدو بحاجة ماسة لحزب الشعوب، لتمرير مشاريعها المجمدة في البرلمان، وفي المقدمة دستور جديد يضع نهاية للدستور الذي وضعه العسكر عقب الانقلاب العسكري في عام 1980، وقضية النظام الرئاسي.
ولعل مفاد هذه الصفقة دخول حزب الشعوب في تحالف برلماني مع حزب العدالة والتنمية، لتمرير هذه المشاريع عبر البرلمان من دون الحاجة إلى استفتاء، أو تقديم تنازلات غير ممكنة من حزب العدالة والتنمية لحزبي الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري، مقابل عودة “العدالة والتنمية” إلى مفاوضات السلام مع الكرد ووقف الحرب والاعتراف بحزب الشعوب الديمقراطي، ممثلا للكرد في هذه المفاوضات. لعل صمت حزب الشعوب في مرحلة ما بعد الانتخابات والرسائل المزدوجة لحزب العدالة والتنمية، والتي تجمع بين التهديد بمزيد من التصعيد ومد يد السلام معاً، يحملان ملامح هذه الصفقة التي تبدو بحاجة إلى بعض الوقت وإزالة الشعارات الانتخابية.
العربي الجديد
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.