لماذا أخذت المتّة طابعًا طائفيّا؟

العوامل التاريخية جعلت من الفئات السابقة في هجرتها، واختلاطها، فيما بعد في دول أمريكا اللاتينية واقتباس عاداتهم ونظام أطعمتهم وتأثرهم بثقافاتهم الحياتية، ناقلة لكل ذلك إلى سوريا ولبنان.

108
الأيام السورية؛ علي الأعرج

رغم الانتشار الكبير لمشروب المتّة في سوريا ولبنان، لكن ما زالت هناك بعض النظريات الأسطورية الشعبية حول ذلك المشروب، ترى أنه من اختصاص فئة معيّنة دون سواها، فالتداول اليومي لهذا المشروب في بعض مناطق سوريا الساحلية وجبل العرب وبعض المناطق الريفية الوسطى ذات الديانة المسيحية، وفي لبنان في المناطق الجبلية، جعلت الناس بشكل عام ينظرون إلى المسألة على أنّ هذا المشروب له طابع ديني أو إقليمي، وبرغم من أنه الوقت الحالي،قد تغيرت كثيراً هذه النظرة، وأصبحت المتّة مشروبا ليس حكراً على الفئات الآنفة الذكر، بل أصبحت عادة يومية لأغلبية سكان سوريا دون تمييز، إلا أن هذه الصورة النمطية حول المشروب وطابعه الإقليمي ما زالت حاضرة، قليلاً في بعض الثقافات المحلية.

ولنكن دقيقين، فرواج المتّة وانتشارها في سوريا، كان خاصا بفئة معينة من الدروز والعلويّة والمسيحيين الذين عملوا في تجارتها بعد سفرهم إلى دول أمريكا اللاتينية (الأرجنتين والباراغواي) واستقدامهم لهذا المشروب مع بداية القرن العشرين، وانتهاء الحكم العثماني في سوريا.

إنّ الصبغة التي أخذها هذا المشروب بالفئات السابقة ليس وليد مزاج اجتماعي شخصي أو طابع ديني بكل الأحوال، إنما له أبعاد مرتبطة بتاريخ سياسي وثقافي عاناه جزء من الشعب السوري أيام الحكم العثماني، فعمليات هروب الأقليات التي ذكرناها نتيجة تغيّر شامل في البنية السياسية للحكم العثماني وارتفاع شعار الحس القومي التركي على حساب منظومة الدين الشامل، وقبلها دخول الإمبراطورية العثمانية في صراعات أججّت الموقف الديني العثماني من الأقليات والديانات غير المسلمة التي كانت تحت حكمها، وربما المثال الأبرز والأخير في سلسلة تلك الصراعات هي حرب الثلاث والتسعين التي قامت في عامي (1877 – 1878) حيث أعلن القيصر الروسي الإسكندر الثاني حرباً مقدسة على الدولة العثمانية، حينما أعلنت القيصرية الروسية نفسها الحامي الديني للمواطنين المسيحيين المقيمين تحت الحكم العثماني، في مناطق البلقان وسوريا ولبنان؛ والأمر نفسه قد جرى فيما بعد عندما بدأت حركة تركيا الفتاة السياسة تستلم زمام الأمور في الدولة العثمانية، وفرض ضرائب على المناطق السورية ومنها جبل العرب تحت قيادة الدروز، والموقف المناهض للعثمانيين عام 1909 وهجرة كثير من أهالي تلك المنطقة هرباً من الحروب الجانبية الطاحنة التي شنها العثمانيون على السوريين، والأمر نفسه أيضاً جرى مع الأقليات السورية في الساحل وهجرتهم.

رواج المتّة وانتشارها في سوريا، كان خاصا بفئة معينة من الدروز والعلويّة والمسيحيين الذين عملوا في تجارتها بعد سفرهم إلى دول أمريكا اللاتينية الأرجنتين والباراغواي واستقدامهم لهذا المشروب مع بداية القرن العشرين،

تلك العوامل التاريخية جعلت من الفئات السابقة في هجرتها، واختلاطها، فيما بعد في دول أمريكا اللاتينية واقتباس عاداتهم ونظام أطعمتهم وتأثرهم بثقافاتهم الحياتية، ناقلة لكل ذلك إلى سوريا ولبنان، بعد انتهاء الحكم العثماني وبداية تأسيس الدولة ذات الطابع المحلي واحتلال الفرنسيين فيما بعد، ومن تلك العادات الغذائية كانت المتّة التي استمرت في سوريا وقتا طويلا، خاصة بفئة محددة من المسيحيين والعلويين والدروز.

ومع فترة التواجد الفرنسي في سوريا خلال 25 عاماً، والانغلاق الإقليمي لمدن بأكملها على نفسها، بغض النظر عن الموقف الوطني والنضالي المشترك بين المدن السورية ضد الفرنسيين، فنحن نتحدث عن انغلاق ثقافي بما فيه طبائع الأكل والشرب والعادات؛ بقيت المتّة محصورة في الفئات التي استقدمتها من أمريكا اللاتينية، ولم يكن لها رواج كبير في محافظات ومدن صناعية كبيرة كدمشق أو حلب، وهذا الأمر بطبيعة الحال يعود لطبيعة تلك المدن العملية صناعياً وتجارياً، أكثر من أن تكون ذات طابع ريفي يمتلك وقتاً كثيراً للتجمعات العائلية أو السهرات الليلية، كما كان في جبل العرب أو الساحل، وفي نفس الوقت لم تنتشر المتة في المناطق الشرقية كثيراً كدير الزور أو الرقة أو القامشلي، أيضاً لأسباب تتعلق بالبيئة، رغم أنها بيئات زراعية ورعوية، لكن لطبيعتها العامة الصحراوية والعشائرية فكانت تعتمد مبادئ غذائية ومشروبات كالشاي أو القهوة أكثر من المتة.

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، بدأت المتة تنتشر تدريجياً في المناطق السورية لكن دون توسع كبير، ليس لأبعاد طائفية كما يتخيلها البعض، إنما لظروف صراعات سياسة وعسكرية اجتاحت سوريا كلياً وتقلبات وانقلابات اقتصادية ونشوء مراكز ثقل صناعي، فبطبيعة الحال انتشار العادات في أي بيئة يستغرق وقتاً أطول بكثير من النهوض العملي في البناء التحتي أو تغيير الخارطة الاقتصادية والسياسية، ونحن نتحدث هنا عن أعوام قليلة نسبياً لا تستغرق أكثر 25 عاماً من (1945 إلى 1970).

المتة مشروب طبيعي، ولا ترتبط بأي حالة طائفية فعلياً، كمادة غذائية قائمة بحد ذاتها، لكن بالمقابل لا نستطيع إدانة الوعي الشعبي الذي تعرض لكثير من الضغوطات والتاريخ المرير المرافق لنشوء ثقافة هذا الغذاء.

لكن في مرحلة الحكم البعثي للأسد، بدأت مرحلة تغيير شامل في الثقافة السورية وترسيخ مفاهيم إقليمية مضادة، بعضها البعض، ومحاولة تفتيت أي شكل من أشكال الوحدة الوطنية إلا تحت سيطرة الحكم الديكتاتوري بعد السبعين، تغيير حتى في هيكلية منهج المؤسسات ودخول كبير لعالم الريف إلى المدينة وانحسار التجارة والاقتصاد وتغيير شكله وتفريغ العمل السياسي من محتواه وتصعيد الأقليات على حساب الشعب بشكل عام، وهو ما خلق رد فعل شعبيا إزاء مواضيع استقدام أي نوع من العادات الأخرى، وكانت المتة بطبيعة الحال، خلال تاريخها منذ لحظة استقدامها إلى الوقت الراهن الذي يمكن القول إنه بلغ 100 عام أو أكثر قليلاً، هي جزء من تلك العادات الإقليمية المختصة بفئات محددة؛ لقد كان رد الفعل الشعبي تجاه تلك الثقافة توترياً نوعاً ما.

ورغم أنّ المتة انتشرت في باقي مناطق سوريا اليوم، إلا أنّ الصورة النمطية نتيجة تجربة انتشارها والظروف السياسية والثقافية التي أحاطت بها، ما زالت تأخذ هذا الطابع الطائفي في الوعي الشعبي ولو أنه خفّ كثيراً في آخر 10 سنوات.

باختصار، المتة مشروب طبيعي، ولا ترتبط بأي حالة طائفية فعلياً، كمادة غذائية قائمة بحد ذاتها، لكن بالمقابل لا نستطيع إدانة الوعي الشعبي الذي تعرض لكثير من الضغوطات والتاريخ المرير المرافق لنشوء ثقافة هذا الغذاء.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.