« لـــــــــــــو .. »..

 

من صحيفة الشرق الاوسط اخترنا لكم اليوم مقال للكاتب_وليد ابي مرشد.. يتحدث فيه الكاتب عن مفعول كلمة *لو* والتي بعرف البعض تفتح عمل الشيطان ، وعند آخرين تدخل في باب التمني ،فلو حصل كذا وكذا.. لكان كذا..  تعالوا معا لنتابع معا ما اورده الكاتب في مقاله وماذا… *لو*…..!!

أبغض الحلال في سرد وقائع التاريخ اللجوء إلى الفرضيات. كلمة «لو» محظورة، بل مدانة، في أي سرد للتاريخ يتوخى الموضوعية. مع ذلك لم يتواَن كثير من المؤرخين عن الخوض في عالم «لو» الافتراضي في توقعاتهم تداعيات ما لم يحصل في الواقع. أشهر من أطلق العنان لفرضية «لو» كان العالم الفرنسي بليز باسكال، وذلك بطرحه، عام 1669، نظريته الشهيرة القائلة: «لو كان أنف كليوباترا أقصر مما كان عليه لتغّير وجه العالم كله».

آنذاك اعتمد باسكال على القناعة السائدة في أيامه بأن الأنف القصير يكشف نزعة الهيمنة في شخصية صاحبه، ليستنتج أنه ما كان بمقدور كليوباترا أن تعطي يوليوس قيصر أو مارك أنتوني انطباع قوة الشخصية الجذابة التي أوحت بها ليقعا بحبها، واستطراًدا لما لعبت دوًرا في خلافات القادة الرومان التي أدت إلى حرب أهلية مهدت إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية. ربما ورث الفرنسيون عن باسكال الشغف بمنطق «لو». وربما كان أفضل مثال على ذلك الفرضيات التي طرحها كثير منهم حول هزيمة الإمبراطور نابليون بونابرت في «ووترلو» عام 1815، فمعظم تحليلاتهم لسير المعركة ­ بعد أن صمد الحرس الإمبراطوري في 18 يونيو (حزيران) 1815 في وجه هجمات القوات البريطانية بقيادة دوق «ويلينغتون» ووضعوها في موقع حرج ­ تعد أنه «لو» تأخر المارشال بلوخر، قائد القوات البروسية ساعة فقط عن نجدة حليفه دوق «ويلينغتون»، لتغّير وجه المعركة وانتصر الإمبراطور على التحالف البريطاني ­ البروسي. مناسبة الخوض في منطق «لو» هي ما آلت إليه أوضاع سوريا المأساوية بعد دخول حربها الأهلية عامها الخامس. والـ«لو» المحيرة في هذا السياق هي: أما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما اختصر الحرب ووفر على السوريين نكبات التشرد والدمار والتدخل الروسي، واستطراًدا، وأوجد الأرضية المواتية لترعرع دولة «داعش» الإرهابية المزعومة ونموها.. «لو» كان نفذ في 20 أغسطس (آب) 2012، إنذاره العلني الصارم للرئيس بشار الأسد وقصف قواعده العسكرية رًدا على استخدامه السلاح الكيماوي في قتال معارضيه في «غوطة دمشق»؟

آنذاك استخدم الرئيس أوباما أشد لهجة تحذير صدرت عنه طوال عهده في البيت الأبيض على الإطلاق، ليردع الرئيس الأسد عن استخدام أسلحة غير تقليدية في مواجهة المعارضة السورية، وإبلاغ النظام السوري ­ بجلاء ­ أن أي نقل أو استخدام للأسلحة الكيماوية يشكل «خًطا أحمر» بالنسبة إلى واشنطن قد يكون له «عواقب وخيمة».

ولم تكتِف إدارة الرئيس أوباما بإنذار البيت الأبيض الصارم، بل عمدت إلى تعزيز مصداقيته بإنذار آخر من وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، حثت فيه الرئيس الأسد على وقف العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين، كي لا يواجه «عواقب وخيمة». وعلى الصعيد الميداني، رفعت إدارة أوباما حرارة تهديداتها، بإصدار أمر إلى حاملة الطائرات الأميركية «أيزنهاور»، لعبور قناة السويس والتوجه نحو الساحل السوري، بينما كانت مصادر فرنسية مقربة من وزارة الدفاع تؤكد استكمال الاستعدادات لعمليات عسكرية شاملة في سوريا تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها فرنسا وبريطانيا.

أعلنت الصين معارضتهما أي تدخل «غربي» في سوريا، فإن موسكو سارعت إلى «استرضاء» الرئيس عام 2012 اقترب الرئيس أوباما أكثر من أي وقت مضى من التدخل عسكرًيا في سوريا.

ورغم أن روسيا الأميركي بتكفلها نزع سلاح سوريا البيولوجي والكيماوي، مطيحة بذلك بالذريعتين الإنسانية والاستراتيجية لتهديده، ومنقذة في الوقت نفسه النظام السوري من أحرج مرحلة واجهها طوال سنوات الحرب الأهلية.

من الإنصاف إعطاء الرئيس أوباما حقه في تقدير العوامل التي حملته على التراجع عن تهديده. ذلك لا يلغي الشعور بأنه كان قادًرا على تغيير مسار النزاع السوري، أو على الأقل اختصاره.. «لو» تدخل في سوريا عسكرًيا عام 2012.

وإذا جاز الاستطراد في منطق «لو» يصح الافتراض بأن عدم تدخله فّوت فرصة تاريخية تصعب استعادة لحظتها بعد أن انقلبت الأدوار الدولية في سوريا، بحيث أصبحت المبادرة فيها بيد روسيا أولاً، والأرجح أخيًرا، مع ما يستتبع ذلك من تبدل في موازين النفوذ في الشرق الأوسط لصالح روسيا وطموحات الرئيس فلاديمير بوتين الدولية. .. في غضون ذلك يجوز التكهن:

من ستكون الدولة العظمى في العقود المقبلة من القرن الحادي والعشرين؟

 أميركا أم روسيا.. أم «دولة داعش» المزعومه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.