لا عاصفة في “رابطة الصحفيين السوريين”

الاختلاف حتى وإن وصل إلى مرحلة الصراع والتطاحن، ضروري ولا بد منه للتطور والتعلم على الطريق، في حال كان مبنياً على أساس مبدأي، أما الصراع والتنازع الشخصي الرامي إلى تحقيق انتصارات ومنافع شخصية، فهو مدمّر لأي جماعة.

الأيام السورية؛ نجم الدين النجم

ولدت “رابطة الصحفيين السوريين” في شباط/ فبراير عام 2012، وسُجّلت رسمياً في فرنسا بشهر تموز/ يوليو عام 2013، لتكون أول مظلة جامعة للصحفيين السوريين المعارضين للنظام السوري المستبد، بعد عقود من سيطرة حزب “البعث” على السلطة في سوريا، وعلى الصحافة بطبيعة الحال.

وتهدف الرابطة كما هو مكتوب على معرّفاتها الرسمية إلى “تمكين الصحافة المهنية والأخلاقية وإيجاد بيئة مستقلة للعمل في قطاع الإعلام السوري من خلال التدريب المتواصل، وإلغاء القوانين التي تقيد الصحافة وتؤثر على أداء الصحفيين السوريين بهدف تطوير الحوار الاجتماعي، وتعزيز الوعي بالصحافة كسلطة رابعة مسؤولة عن التطور دون معوقات”.

مساحة نقابية مستقلة

في ظل الرابطة أصبح للصحفيين السوريين ـ ولأول مرة ـ مساحة نقابية مستقلة خاصة بهم، بعيداً عن هيمنة السلطة وعيون أجهزة المخابرات. مساحة ديمقراطية حرة لم تتوفر للصحفيين والإعلاميين السوريين من قبل، ولا نبالغ إن قلنا إنها أكثر اتساعاً بما لا يقاس من الهوامش الضيقة وشبه المعدومة في الوسائل الإعلامية السورية والعربية، التي عمل ويعمل بها أعضاء الرابطة منذ تسع سنوات.

ليست برلماناً شعبياً أو صحفياً

بناء على ذلك، ليس من الدقة بشيء وصف الخلافات الجارية في رابطة الصحفيين السوريين بــ”العاصفة”، فهذا التوصيف يلقي بحمولة سلبية لا تستحقها الرابطة ولا أعضاؤها، ولا نتجه في هذا المقال إلى الخوض في تفاصيل الخلافات للبحث عن التوصيف المناسب لما يجري، فهذا ليس من حقنا، فرابطة الصحفيين وإن كانت ولدت من رحم الثورة السورية إلا أنها ليست برلماناً شعبياً أو صحفياً، بمعنى أنها لا تمثل فعلياً الشعب السوري ولا تمثل أيضاً جميع الصحفيين، بل هي جسم نقابي خاص بالصحافيين المنخرطين فيها كأعضاء، وهذا يحيلنا إلى حقيقة أن الرابطة بيت لأعضائها فقط، والحديث عن خلافات هؤلاء الأعضاء على العلن فعل لا يستند إلى حق أو ضرورة.

تهدف الرابطة إلى تمكين الصحافة المهنية والأخلاقية وإيجاد بيئة مستقلة للعمل في قطاع الإعلام السوري، وإلغاء القوانين التي تقيد الصحافة وتؤثر على أداء الصحفيين بهدف تطوير الحوار الاجتماعي، وتعزيز الوعي بالصحافة كسلطة رابعة مسؤولة.

واقع الرابطة من منظور سوسيولوجي

من عدم إمكانية التوصيف ننتقل إلى إمكانية التأطير، وبإمكاننا الحديث عمّا يجري من منظور سوسيولوجي (اجتماعي)، مبتعدين مسافة غير كاشفة ولا فاضحة تحترم هذا الكيان وخصوصية أعضائه، بهدف وضع صورة الرابطة في إطارها الطبيعي.

منذ بضعة شهور سأل محدّثكم ـ وهو عضو في رابطة الصحفيين السوريين منذ 2018 ـ نفسه عندما بدأ فجأة يهتم بأمر الرابطة، عن سبب هذا الاهتمام، رغم أنه شخص خمول اجتماعياً إلى حد ما، وانطوائي إلى حد أبعد قليلاً، والإجابة كانت بإن الاجتماع البشري فطرة، والانتماء النقابي، المهني حاجة يفرضها الواقع، والنشاط الإنساني في أي مجال هو ضرورة حياتية، والرابطة توفر مساحة جيدة للحركة والنشاط والتواصل والتعلّم والمشاركة والشعور، في خضم زحام العمل وجهاد اللقمة.

كل السوريين الأحياء اليوم ـ وأنا منهم لحسن الحظ ـ عاشوا وتعلموا وعملوا وكبروا ـ وأنا بينهم لسوء الحظ ـ تحت وطأة الاستبداد، ومعظمهم لم يمنحه القدر ولو فرصة واحدة لخوض تجربة اقتراع ديمقراطية حرّة في دائرة نشاط مدني أو مهني أو سياسي. عقود مرّت وصوتهم مكتوم وأفواههم مخيّطة والأمر ينسحب على حرية التعبير، فالحوار ممنوع والجدران لها آذان تسمع.

والحق أقول إن الأمر لم يتغير كثيراً بعد سنوات الثورة، والأسباب كثيرة، أولها السوريون أنفسهم بمختلف مستوياتهم العلمية والثقافية ومشاربهم الفكرية، الذين لم يعتادوا بعد -حالهم حال بقية الشعوب العربية- على الديمقراطية باعتبارها فكر وسلوك وليست شعاراً فقط، ولم تتشرّب ضمائرهم قيمها ومضامينها وما تنطوي عليه هذه المضامين.

الديمقراطية لا تُختزل بآليات اقتراع

نادى السوريون بالديمقراطية كأول هدف من أهداف ثورتهم، وأهداف الثورات هي فلسفات لها تاريخ إنساني طويل، تتضمن نظريات فكرية وسياسية وثقافية وقانونية، وهي أوسع بطبيعة الحال من هتافات الساروت والقاشوش، كما أن الديمقراطية لا تُختزل بآليات اقتراع متخشبة تنتهي باختيار فلان من الناس رئيساً لنقابة أو حاكماً على شعب.. إنها صيرورة طويلة، ولا مانع أن نحبو على طريقها ونتعثر ونقع ونصاب بالجروح ونعاني من الآلام في سبيل تعلم المشي على الطريق باتزان واستقامة، وهذا ما يحصل في “رابطة الصحفيين السوريين” من جهة.

التدافع، ناموس كوني وسنّة بشرية خالدة، والتاريخ يسير إلى الأمام على قدمين/ صنفين من البشر، قدم محافظة ثابتة وأُخرى مجددة متحركة، وما إن يمض بعض الوقت إلا وأصبح المجددون في موقع الثبات بمواجهة المجددين الجدد.

من جهة أُخرى نقول، إن الديالكتيك أو الجدل مصدر غنى لكل الشعوب المتحضرة اليوم، والمجتمعات الراكدة التي لا يختلف أفرادها تبقى أسيرة النمط الواحد في كل تفاصيل حياتها، ومن المستحيل لها أن تتطور مهما تعلمت من العلوم، فقد ولّى زمن الحزب الواحد والتلفزيون الوحيد والصحيفة الواحدة.

ضرورة الاختلاف

إن التدافع، ناموس كوني وسنّة بشرية خالدة، والتاريخ يسير إلى الأمام على قدمين/ صنفين من البشر، قدم محافظة ثابتة وأُخرى مجددة متحركة، وما إن يمض بعض الوقت إلا وأصبح المجددون في موقع الثبات بمواجهة المجددين الجدد، ولا يخلو كل ذلك من الصراع والتطاحن بين الطرفين.

الاختلاف حتى وإن وصل إلى مرحلة الصراع والتطاحن، إلا أنه ضروري ولا بد منه للتطور والتعلم والتقدم على الطريق، في حال كان مبنياً على أساس مبدأي، أما الصراع والتنازع الشخصي الرامي إلى تحقيق انتصارات ومنافع شخصية، فهو مدمّر لأي جماعة ولا فائدة منه تُرجى.

ولئن شابها التنازع المدمر في أحيان ليست قليلة، إلا أن التنازع المطوّر هو الملحوظ في رابطة الصحفيين السوريين منذ تأسيسها، وحسبنا أن نهتدي بهذه الشمعة لحين زوال الظلمة.

شعار الرابطة(موقع الرابطة)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.