لا تفصلوا بين السياسة والرياضة

الأيام السورية؛ عمار إسماعيل

لم أتخيل قط أن يشي أحد بخروجي في المظاهرات السلمية بعد أن مضى عليها ثلاث سنوات، كما لم أتخيل أبداً أن أراه هناك، في مكان لا يتمنى فيه الإنسان سوى الموت!!

وقفتُ على الحاجز وحدي بعد انصراف ركاب الحافلة، ليعود عناصر الحاجز ببطاقتي الشخصية بعد “تفييشها” ويسوقوني معصوب العينين، مكبل اليدين ضمن سيارة تسير مسرعة؛ لتدخل بي إلى أقبية الرعب، ولألمح الدماء والسياط والسلاسل الحديدية المتدلية من السقف بعد أن كشفوا عن عينيي قائلين لن تخرج من هنا إلا جثة هامدة.

جردوني من كل شيء إلا ملابسي الداخلية، وزجوا بي في زنزانة لا تتعدى مساحتها عشرة “أمتار مربعة”، تغصُّ بأكثر من أربعين معتقلاً حدقوا بي مشفقين، لكن عينيّ لم تلمح سوى وجهه: هل أنت هو؟؟ … “نعم أنا” أجاب مبتسماً.

جهاد قصاب-انترنت

أعادني وجهه ثماني سنواتٍ إلى الوراء حين كان صمامَ أمان نادي الكرامة وقلبَ دفاع منتخب سوريا، لم أكن أفوّت مباراة واحدة حينها، وخصوصاً عام 2006 عندما سرق النادي وقلبُ دفاعه جهاد قصاب الأضواء الآسيوية.

ما الذي أتى بك إلى هنا؟؟ لم يجب، وأجلسني قربه متبسماً: “لا تخف سنخرج عندما تنتهي التحقيقات ويرسلوننا إلى القاضي، سنقول له: إننا لم نؤذ نملة، ولكننا اعترفنا تحت التعذيب، وفيما يخصُّ المظاهرات فهناك عفو من الرئيس”

عندما وجهّوا تهمة المظاهرات وحراستها لجهاد اعترف بها على الفور خشية أن يتم تعذيبه إن لم يعترفْ، جازماً في الوقت عينه أن ذلك لن يشكل خطراً عليه.

وما مرت سوى دقائق قليلة حتى قطع السجان حديثنا الصامت، وعصّب عينيّ وكبّل يديّ، وساقني لغرفة التحقيق، كان ثمن عدم اعترافي مئات العصي والسياط التي نهشت جسدي المعلّق لأكثر من ساعتين بالسلاسل الحديدية.

مددني جهاد على يمينه، ووضع قميصه المبلل على جبيني. فجأة غلبني البكاء المرّ: هل سأرى زوجتي التي تعيش وحيدة بدوني بعد أن خَبِرتْ فِراق أهلها وأخوتها الهاربين إلى مصر منذ سنتين؟؟ يا ترى كيف تتدبر أمورها؟؟ هل سأرى طفلتي ذات الأعوام الخمسة؟؟ لماذا كنت أوبّخها إن أخطأت؟؟ لماذا لم ألاعبها عندما كانت تصرُّ في منتصف الليل، وترفع عني الغطاء؟؟ لماذا استجبت لتعبي، ولم أستجب لطفولتها؟؟ هل سأخرج يوماً لألتقي بها؟؟ هل ستعرفني إن خرجتُ؟؟ هل ستركض لباب البيت بمجرد سماعها خشخشة مفاتيحي في قفل الباب؟؟ يااااا الله: لا أريد شيئاً سوى أن أضمها إلى صدري قبل أن أموت، أريد أن أعتذر لها عن كل لحظةٍ مرّت دون أن ألعب معها وأصبحَ طفلاً مثلها… يا رب: أريد رؤيتها فقط.

رفعَ القطعة القماشية عن جبيني ماسحاً بها دموعي، وبدأ يهوّن عليّ ويبوحُ لي بدوره بما في سريرته:

“كنت أشعر بالفخر عندما أصدُّ الهجوم عن فريقي، وأشعر بثقتكم بي على مدرجات الملعب، وعندما كنتُ أحرز هدفاً، وأسمع هدير فرحكم الجارف، كنت أشعر أن وطني يفتخر بي، ويكتبُ اسمي في خانة أسماء أبطاله الذين ماتوا دفاعاً عنه، ما توقعت يوماً أن يضعني وطني في زنازينه لأنني ناديت للحرية من أجله، وعندما حققت مع النادي مركز وصيف بطل آسيا لم أتوقع ـ حين صافحني “سيادته” – أن خلف عينيه الزرقاوين يختبئ بحرٌ من الدماء”.

كان على يساره أستاذٌ لمادة التاريخ يروي لنا قصصاً تاريخية نستعين بها على الوقت الذي يمر ثقيلاً، وتحاول التخفيف عنا قليلاً.

وفي وقت متأخر من إحدى الليالي صاح زعيم “القاووش” وهو أحد عناصر الفرع يمضي عقوبته “التأديبية” بالتجسس علينا وتوّجيه الأوامر:

  • “قوم ولا أستاذ الكر وتعا لعندي واحكيلي قصة تضحكني”
  • “دعني وشأني أرجوك” قال المدرس مرتجفاً
  • ” شو قلت ولاااااك حيوان؟؟ والله لأمسح فيك الأرض والله “قالها وهو يتّجه لضربه قبل أن يجدَ جهاد واقفاً في وجهه دافعاً به إلى الحائط: “الزلمي مو بس أستاذ، الزلمي أكبر من أبوك بالعمر.. مو عيب عليك؟؟”

ساد الصمت، وشخصت أبصارنا جميعاً، وتجمّد الدم في عروقنا وكأن الأرض توقفت عن الدوران حول نفسها، لحظات شعرنا أنها خارج قواعد الكون، حتى الجدران كانت عبثاً تحاول الهروب عندما هرع عشراتُ العناصر بسياطهم تلبية لصراخ العنصر المندهش.

لم نتألم لوقع السياط التي انهالت علينا جميعاً بقدر تألمنا لصوت أنينه الذي لم ينقطع في “المنفردة” لأسبوع كامل.

لم نعرف أنواع التعذيب التي مارسوها عليه، لكن صراخه الذي كاد يتجاوز صراخ أهل الجحيم يوم القيامة كان كفيلاً لنتخيل حجم العذاب الذي تعرض له.

أُجبر جهاد على الاعتراف بخطف وقتل ضباط في الجيش، وتم تحويله للّجنة الأمنية الرباعية في حمص ليتم تثبيت اعترافاته، ثم ساقوه لمحكمة الإرهاب والأفرع الأمنية في دمشق.

بعدما خرجتُ برشوة من المعتقل، وتمكنتُ من الفرار خارج سوريا، تحدثتُ عما عاناه جهاد، وعن أيام اعتقالي في برنامج مخصص للمعتقلين على إحدى الإذاعات السورية المعارضة في تركيا.

أيامٌ قليلة فقط كانت كفيلة باتصال شقيق زوجة جهاد المقيم في لبنان بي، أخبرني أن زوجة جهاد وأطفاله الأربعة آثروا البقاء في سوريا على أمل أن يخرج جهاد ذات يوم ويلتقي بهم، وأن العائلة أُصيبت بفاجعة جديدة عندما اعتقلت قوات الأمن والدة زوجة جهاد في أثناء عودتها من لبنان لتزور ابنتها.

لم تنتهِ المأساة ها هنا، فبعدها بأشهر قليلة تم الإعلان عن مقتل جهاد تحت التعذيب في سجن صيدنايا السيء الصيت.

كيف عاش جهاد كل هذا القهر؟؟ كم مرةً بكى وهو يحلمُ بلقاء أطفاله الأربعة ليلعبَ معهم ويضمهم إلى صدره؟؟ كم مرةً تساءل في نفسه عن زوجته التي تنتظره وحيدة هي الأخرى مع أطفاله؟؟ كم مرةً طلب من ربه أن يلتقي بهم قبل موته؟؟

ذنب جهاد كلمةُ الحق التي قالها، والكرامة التي ارتدى قميصها، وقضى الكثيرون مثله من رياضيين، وفنانين، ومفكرين، وعلماء حذوا حذوه.

واليوم عندما يرتدي الطاقم الإداري لمنتخب كرة القدم قمصاناً ممهورة بصورة الحاكم الأوحد لتبييض وجهه الملطخ بالدماء، وليقدموا فوزهم الرياضي هدية لــ “سيد الوطن” القابع داخل قصره الزجاجي المرتعد من حجارة الرأي والكلمة، يشجعُ كثيرون هذا المنتخب على أنه يمثل الوطن فقط، وتعلو الأصواتُ المطالبة بالفصل بين السياسة والرياضة!!!

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.