لا أريد أن أصبح عامل ورشة يا أبي!

الأولى وتسع دقائق بتوقيت مدينة بيروت. منتصف شهر “آب اللهّاب”، كما هو متعارف عليه في قاموس عمّال الورش. الشمس تتزحلق فوق برج “سما بيروت” في شارع عبد الوهاب الإنكليزي، الطبقة الخمسون، حيث تُرى بيروت، “مدينة التفاصيل المرعبة”، بكلّ كلّها.

ثلاثة عمال سوريين نمشي فوق القضبان الحديد الملتهبة تماماً، بقمصاننا الموحّدة، الملتصقة على جلودنا، وبخوذ الرأس الزرق التي بهت لونها.
يقول المشرف الذي يختبئ تحت فيء الونش، إن علينا أن ننتهي من تمديد الكهرباء في السطح، وتثبيت العلب وتمديد الأنابيب البلاستيكية بين القضبان الحديد.
الشمس قريبة جداً حتى لتكاد تلامسنا. يداي ترتجفان مثل موتسارت في سمفونية “جوبيتر”. أفقد توازني، فأصرخ بهمس المناجاة: يا إله الورش، هل من غيمة تسدّ بوز الشمس؟! غيمة واحدة، تكفي لتقلب كل الموازين! لكن، ولا ربع غيمة… في هذه الصحراء، “صحراء الطيب صالح”.
بين فينة وأخرى أقفُ لأختلس النظر إلى البحر الذي يبدو أبيض مثل مرآة مخدوشة.
أشعر بالدوار. لديّ رغبة في أن أدخّن سيجارة لعلّ دخانها يرتقي كغيمة. ساعة كاملة مرّت، وأنا بين بين. لقد قررت. نعم، أحبّ تلك القرارات التي تأتي بغتة. أحبّ تلافيف دماغي، تلك التي تشبه انحناءات الحديد فوق الخشب.
لا أحد يشعر بي الآن سواك أيها القابع في رأسي المحشور في الخوذة، التي وشمتُ عليها بمسمار، أول حرف من اسم حبيبتي. أكره الحفر على جذوع الأشجار. مرة واحدة حفرتُ بفتاح غرفتي، على شجرة الزيتون التي تتوسط حوشنا في تلك المدينة البعيدة، منبج، عنوان أول قصيدة مقفّاة لي: “أحزان مترفة”. نهرتني أمي يومذاك؛ أمي التي لا تجيد القراءة والكتابة، لكنها تجيد الحنان الذي لا يمكن أي مدينة في العالم أن تمنحني منه مقدار مليمتر واحد، وهو المسافة الفاصلة بين شفتيَّ لأزفر: يا إله الورش تبّا لي! كفارس في معركة، أقف وسط السطح لأضرب بيدي تلك العلبة الدائرية التي انحشرت بين قضيبين. صحت: “يلعن أبو الــ 19 دولاراً، على أبو الورشات”.
مسحتُ بقميصي بحيرة الملح على جبيني وحول عينيَّ. اتجهتُ نحو السلالم الخشب معلناً الهروب. سبعة سلالم أفضت بي إلى الطبقة الثالثة والأربعين، لأستقل المصعد هبوطاً. لم أشعر بشيء. لا أحبّ المحاكمات العقلية في لحظات كهذه. ولا أحتاج إلى تبريرات.
ما هي إلا لحظات حتى تربعتُ أمام مبنى السوديكو تحت شجرة تشبه نهد امرأة أخضر. دفعةً واحدة شربتُ قنينة سفن آب. أشعلتُ سيجارة بدا لي دخانها الخارج من فمي كسرب رياضيين في ماراتون، إثر زفرة سوري لا يجيد سوى الحلم.
شعرتُ بالهدوء لبضع دقائق، بعدما فرغت علبة التبغ في يدي.
كان قدراً أن أقول لأبي قبل سبعة أعوام: “ها قد كبرت يا أبي. أريد أن أصبح عامل ورشة”. أنا الآن ابن الثلاثة وعشرين صيفاً.
في هذا الشتاء، أقمتُ علاقة حبّ مع كل الطرق التي تؤدي إلى الورشة. لا يقض مضجع حلمي سوى تلك القرارات التي أصبحت حديث عمال الورش: هل أغلقوا الحدود؟ لن يسمحوا بالتجول. سيفرضون علينا فيزا. سنُحرَم من مزاولة بعض المهن، ناهيك بالمعاملة التي نحظى بها، من باب السكن حتى جوف الورشة. أسرف في التدخين حتى تتطقطق حنجرتي عندما أسمع أن أحد العمال السوريين لقي حتفه أثناء عمله في السقالات. وحين أرى، نعم فقد رأيتُ بأمّ عيني كيف يموت السوري في الورش، أجهش بالبكاء وأخفي وجهي داخل الخوذة، حتى يصفو دماغي الذي اشعر أن تلافيفه تمددت كخط مستقيم بيني وبين الجنون.
يا إله الورش، أرجوك! أريد أن أموت في البحر، علّ المحار ينمو في أصابعي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.