لؤي كيّالي.. الفنان الوسيم الذي كانت لديه الجرأة لإعلان جنونه

لطالما كان الحزن جزءا من الطباع الشخصية للفنان لؤي كيالي، نتيجة لحساسيته العالية التي جعلته هشا وسط حياة فيها من القسوة والكره والعنف الكثير، وربما لهذا السبب لم تفارقه نوبات الاكتئاب رغم نجاحه المهني في كثير من سنوات حياته.

212
الأيام السورية؛ بتول حسن

لؤي كيّالي، الفنان التشكيلي من مواليد عام 1934، وتوفّي عام 1978. بدأ أولى خطواته بالرسم في عام 1945، ليعرض أولى لوحاته في مدرسة التجهيز في حلب عام 1952، وفي عام 1954 أنهى الدراسة الثانوية، وبدأ بدراسة الحقوق في جامعة دمشق في عام 1955. اشترك بمعرضٍ جامعيّ ليفوز بالجائزة الثانية، وترك كليّة الحقوق عائداً إلى حلب، ليعمل كاتباً في المعتمديّة العسكريّة، عام 1956 أوفدته وزارة المعارف إلى إيطاليا لدراسة الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة بروما، وهناك تجلّت موهبته، فشارك في معارض ومسابقاتٍ عديدةٍ حاصلاً على الجائزة الأولى في مسابقة سيسيليا التابعة لمركز العلاقات الإيطاليّة العربيّة، لينال عدّة جوائز كالميداليّة الذهبيّة للأجانب في مسابقة رافينا 1959.

مثّل سورية هو وفاتح المدرس في لابينالي فينيسيا عام 1960، كما حصل على الجائزة الثانية في مسابقة (alatri)، كما أقام معرضه الثاني في روما، وبدأ بالتدريس بعد عودته من روما في ثانوياتها، وانتقل إلى التدريس في كليّة الفنون الجميلة، وأقام معرضه الثالث في صالة الفنّ الحديث في دمشق، ومعرضه الرابع عام 1962، والخامس سنة 1964 في ميلانو بصالة لاكايرولا، والسادس في روما، والسابع بعنوان (في سبيل القضيّة) سنة 1967.

قدّم 30 عملاً رسمها بالفحم، نقّلها بين المحافظات السوريّة حمص وحماة وحلب واللاذقية، ووزّع أغلب أعماله بعد أن خضعت لنقدٍ شديد، وأصيب بإكتئابٍ ترك على إثره التدريس وانتقل إلى حلب عام 1968، وتخلّص من اكتئابه ليعود إلى التدريس في دمشق عام 1969_1970، لكنه ما لبث أن عاد ليعاني من اكتئابٍ مرةً أخرى؛ خاصةً بعد وفاة والده.

عاد إلى حلب بعد تقاعده لمزاولة الرسم عام 1971، وشارك في العديد من المعارض، وتمكّن رغم مرضه من إقامة معرضه الثامن في بيروت عام 1974، أما معرضه التاسع فقد أقيم في صالة الشعب للفنون الجميلة في دمشق، والعاشر في بيروت عام 1976.

احتفاء غوغل بالفنان لؤي كيالي(غوغل)

شاركت أعماله وأعمال فاتح المدرِّس في أسبوع الثقافة العربية في مونتريال- كندا، وأقام معرضاً مشتركاً مع فاتح المدرس في متحف حلب 1976 وأقام معرضه الحادي عشر في صالة الشعب في دمشق حيث قدم فيه 45 لوحة، والثاني عشر أيضاً في دمشق.

بدأت تظهر عليه بوادر أزمةٍ نفسيٍّة حادة، فرسم بالفحم لوحاتٍ تمثّل عذاب الإنسان ونضاله. أورد طارق الشريف مجموعةً من الآراء المنسوبة للفنان لؤي كيّالي، تعكس آرائه حول موقفه من بعض الأمور، وخاصة رأيه في النقد الذي عانى منه كثيراً، وكان أحد أسباب اختلال حياته ومرضه النفسي والجسدي، حيث يقول كيّالي: “إن لم يكن الناقد أعلى مستوى من الفنان من حيث الثقافة الفنية، فإنه يجب أن يكون في مستواه، هذا إذا تناسينا قضية الإحساس في العمل الفني، التي هي أهمّ مقوماته، ونحن لم نزل بحاجةٍ إلى إنسانٍ حسّاسٍ يوازي الفنان في حساسيته، ومثقفٍ يفوق الفنان في ثقافته، ومتجرّد يحسّ بمسؤولية الكلمة التي يتبنّاها عن يقينٍ وإيمان”.

وحول قضية الالتزام في الفن يؤكد لؤي كيّالي أنه: “حينما يتخذ الفن مضموناً جديداً في الرصيد الفكري، ويصبح شكلاً من أشكال الوعي الاجتماعي، يكسب طابعاً نضالياً، وهذا في جوهره يعني تمرداً على الواقع، ورفضاً له، ما دام الفن مرتبطاً بالواقع ارتباطاً جذرياً، فإنّه لا بد أن يرتبط بواقع الثورة”.

ويرى لؤي أن الفنان ليس سوى إنسانٍ لا يختلف عنهم، إلاّ أنّه يعبّر عن مشاركته الوجدانية لهم من الأعماق، نتيجة حساسيةٍ مرهفةٍ تجاه الحوادث الحياتية، حتى في أدقّ جزئيّاتها، وأشدّها التصاقاً بإنسانيّة الإنسان، وقد تصل هذه الحساسيّة لديه إلى درجة الإفراط، وحتى إلى درجة التوتر النفسيّ، وينتهي الفنان لؤي كيّالي إلى نتيجةٍ مفادها أن التزام الفنان تأكيدٌ لتحقيق إنسانيّته من مشاركته الوجدانيّة؛ قولاً وفعلاً وإنتاجاً في بناء حياةٍ ومجتمعٍ أفضل.

يقول عنه الأديب ممدوح عدوان: “الفنان الوسيم الذي كانت لديه الجرأة لإعلان جنونه، دون أن يهتمّ للآخرين الذين حاولوا تغطية هذا الجنون الذي فضح عريّهم بأوصافٍ اختاروها، مثل أزمةٍ عصبيٍّة، أو انهيارٍ عصبيّ، لؤي كان مجنوناً طوال سبع سنوات، من النكسة عام 1967 حتى حرب تشرين 1973، لأنه تميّز بأحاسيس رقيقةٍ مرهفة، لم يستطع أن يتلاءم مع عالمنا اللامعقول، فجنّ… جُنّ لأنه يرى في هذا الكون أشياء كثيرة قد لا يراها آخرون، وأشياء تلامس مشاعره الحقيقيّة الإنسانية، ولا تستطيع أن تكون ملتويةً، لأنّ الالتواء يُفقدها شفافيتها ومصداقيّتها، وعندما يفقد الإنسان معيار المصداقيّة يتحول إلى إنسانٍ مخادعٍ، والمخادع يمكن إخراجه من حديقة الإنسانية المزروعة بأجمل الورود وأروعها.

لقد انتقل لؤي من عالم الدعوة والترف، إلى عالم البؤساء والمسحوقين، وبهذا الانتقال اكتشف عذابات الناس وجوعهم وقهرهم وألمهم، فاعتبرهم جبابرةً لأنهم يمتلكون القدرة على التحمّل، وكانت نتيجة هذا الانتقال المفاجئ معرضه في سبيل القضيّة 1967، حيث رسم الناس في لوحاته خائفين، إلا أنهم أقوياء، وملامحهم قاسيةٌ وأطرافهم ضخمة. لم يكن يستطع أن يفعل غير ذلك أمام رغبته في الانتماء إلى هؤلاء الناس، وأمام ذعره مما اكتشفه في حياتهم، فأسقط ذعره عليهم. لقد قوبل معرضه بعاصفةٍ من النقد، جمهوره من الناس المترفين لم يعتادوا على هذا النوع من اللوحات، مما أصابه بأزمةٍ نفسيّةٍ حادّة كانت السبب في إنهاء حياته، وموته محترقاً.

تقول أحلام الترك: “ربما لم يكن لؤي كيّالي الوحيد الذي حصد التميّز في الفنّ التشكيليّ السوريّ، إنما الوحيد الذي اندغمت حياته الشخصيّة بحياته الفنيّة الإبداعيّة، وظلَّ الحديث عنه وعن فنّه وشخصه يأخذ منحى إشكالياً حتى الآن، وكأنّ رحيله لم يمضِ عليه ثلاثون عاماً.”

عاش لؤي كيّالي حياةً لافتةً بكلّ تفاصيلها، وتميّز بأسلوبٍ فنيٍّ خاصٍّ به وحده، وسُمّي باسمه، رغم وصف أسلوبه بالواقعيّة التعبيريّة، التي اعتمد فيها مساحات لونيّةً واسعةً، وخطوطاً قويةً واضحةً، ومحاولة تبسيط جعلت لوحاته (رغم تناوله مواضيع حياتية قاسية)، تتّسم بنقاءٍ وصفاءٍ تشبه سريرة الفنان.

عام 1978 سافر إلى إيطاليا، وسرعان ما عاد إلى حلب واعتزل الناس، ليموت محترقاً في سريره، هنالك رواياتٌ متناقضةٌ حول احتراقه بلفافة تبغ. نُقل إلى مشفى جامعة حلب، ثم إلى المشفى العسكريّ في دمشق، وتوفي في 26 تشرين الأول عام 1978، ليدفن في مقبرة الصالحين بحلب.

كلمات: لؤي كيّالي، بتول حسن، الحزن، الطباع الشخصية، القسوة، الكره، الفن التشكيلي، حلب، العنف، الاكتئاب

مقبوسات
يقول كيّالي: “حينما يتخذ الفن مضموناً جديداً في الرصيد الفكري، ويصبح شكلاً من أشكال الوعي الاجتماعي، يكسب طابعاً نضالياً، وهذا في جوهره يعني تمرداً على الواقع، ورفضاً له، ما دام الفن مرتبطاً بالواقع ارتباطاً جذرياً، فإنّه لا بد أن يرتبط بواقع الثورة”.

تميّز بأسلوبٍ فنيٍّ خاصٍّ به وحده، وسُمّي باسمه، رغم وصف أسلوبه بالواقعيّة التعبيريّة، التي اعتمد فيها مساحات لونيّةً واسعةً، وخطوطاً قويةً واضحةً، ومحاولة تبسيط جعلت لوحاته تتّسم بنقاءٍ وصفاءٍ تشبه سريرة الفنان.

مصدر موسوعة الفن التشكيلي السوري ممدوح عدوان، دفاعا عن الجنون
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.