كيلا ننسى: حماة 1982- نبيل برادعي

كنتُ في مطلع الثمانينات من القرن الماضي كاتباً ومحرراً ومذيعاً في إذاعة صوت سورية العربية، التي كانت تعارض نظام الأسد الأب.. وكنت أوثـّق بشكل شخصي يوميات الانتفاضة الشعبية التي بدأت في أواخر السبعينيات، ووصلت ذروتها في شهر آذار 1980، عندما أعلنت النقابات المهنية السورية (الأطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم) إضراباً مفتوحاً ضد السلطة الغاشمة، فما كان من النظام إلا أن قام بحلها واعتقال وتعذيب وقتل قياداتها، وفرض قيادات جديدة تأتمر بأمره..

ويومها أخطأ الأخوان المسلمون (وخاصة في حلب) خطأ قاتلاً عندما صدقوا وعود النظام بالإفراج عن معتقليهم مقابل تهدئة الجماهير المنتفضة في حلب… ويومها خرجت قيادات الجماعة لتطلب من الجمهور – من شرفة بلدية حلب – فض المظاهرات والإضرابات والعودة للحياة الطبيعية لأن السلطة “وعدت خيراً”.. الأمر الذي كان بمثابة سكب سطل من الماء البارد على معنويات الناس.. وبالفعل، لم يمر أسبوع حتى كانت قوات النظام تستبيح حلب كلها وتقوم بحملات إعدام واعتقال وتعذيب وحشي وضع حداً لانتفاضة الناس.. ثم تتالت مجازر عديدة في جسر الشغور، وسرمدا وغيرهما، ناهيك عن مجزرة سجن تدمر الرهيبة.. ومرت قرابة السنتين على إخماد تلك الانتفاضة!

وكانت قد بقيت للأخوان المسلمين قوة لا بأس بها في مدينة حماه، فأراد النظام استفزازهم ليرتكب مجزرته الرهيبة التي سيقدر لها أن تُسدل الستار على مشروع أول ثورة شعبية حقيقية تقوم على النظام (1979-1980)..

الغريب أن العالم الخارجي لم يسمع عن مجزرة حماه أو أحداثها إلا بعد مرور أسبوع على البدء بها، إذ لم تكن وسائل الاتصال الحديثة متوفرة وقتها.. بل إن كوادر الأخوان المسلمين الذين كانوا يعملون معنا في الإذاعة لم يعرفوا بما يحصل في المدينة.. فقد كان نظام المقبور قد فرض ستاراً حديدياً على الأنباء وعلى سوريا عموماً. وأذكر أن أول من أعلن عن “وقوع أحداث” في مدينة حماة السورية كان أليكسانر هيغ، وزير الخارجية الأمريكي، وذلك في تصريح له للصحفييين الذين كانوا يرافقونه في الطائرة التي تقله إلى أوروبا! وقد تعمدت الولايات المتحدة (التي تلتقط أقمارها الصناعية وأجهزتها كل حركة) إعطاء وقت كافٍ لقوات رفعت أسد (المعارض الحالي الذي يتباكى على الوضع في سوريا!!!) لكي تنجح في ارتكاب المجزرة!

والحقيقة أننا إذا ما نظرنا الآن بأثر رجعي إلى ما حصل لعلمنا أن مجزرة حماة لم يكن لها من مبرر أمني أو سياسي باستثناء رغبة السلطة المجرمة آنذاك في إعطاء درس للسوريين حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه السلطة في إجرامها إذا ما فكروا في المطالبة بحرياتهم وحقوقهم. فلم تشكل حماه في ذلك الوقت أي تحدٍ جدي للنظام بعد أن انتهى من تصفية وإخضاع المدن الثائرة لقمعه.

وقد تفاخر المقبور لاحقاً مع مفاوضيه الذين كانوا يتوسطون لإنقاذ مدينة طرابلس اللبنانية التي تضامنت مع المقاومة الفلسطينية عندما لاحقها النظام وأخرجها من لبنان، مدمراً نهر البارد والبداوي، بقوله لهم (لن تكون طرابلس أعز علينا من حماه!!!)..

وتطلب الأمر ثلاثين سنة أخرى لكي يرينا ورثة النظام المجرم كيف أن بوسعهم تحويل سوريا كلها إلى حماه عندما يطالب الشعب بحريته وحقوقه وكرامته!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.