كيف يمارس السوريون الديمقراطية الافتراضية؟

فرح كثير من السوريين للجارة وقاموا بواجبهم على أكمل وجه لا بل كانوا ملكيين أكثر من الملك فتجاوزوا بفرحهم وغبطتهم أم العروس والعريس معا …فهللوا وزغردوا…أطلقوا عياراتهم النارية ابتهاجاً…ودقت الطبول السورية في عرس الجارة التركية.

بقلم: خديجة زغبي

إنه الشعب السوري يشبه بعضه كثيراً ولا يشبهه أحد فكأنه نسل رجلٍ واحدٍ…يميزه حماسه واندفاعه في كثير من مواقفه؛ فالسوريون دون جميع الخلق يجيدون التطرف والمبالغة باندفاعهم وهذا ما يزيد من فرصهم بنشر غسيلهم على مرأى ومسمع جميع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي .. يدفعهم فضولهم والذي قد يتطور بعض الاحيان لنوع من الحشرية للتدخل في كثير من القضايا فكيف إذا كانت تلك الأخيرة ذات تأثير على الوضع السوري كقضية الانتخابات التركية ؟؟

فالجارة العزيزة تركية عندها مناسبة وطنية ..عرس ديمقراطي بأبهى حلله يراقبه القاصي والداني في العالم وكما هي الحال في كل القضايا انقسم الشارع السوري المعارض بآرائه وغالى كل فريق باندفاعه كل بحسب رأيه…

فرح كثير من السوريين للجارة وقاموا بواجبهم على أكمل وجه لا بل كانوا ملكيين أكثر من الملك فتجاوزوا بفرحهم وغبطتهم أم العروس والعريس معا …فهللوا وزغردوا…أطلقوا عياراتهم النارية ابتهاجاً…ودقت الطبول السورية في عرس الجارة التركية.

وتنتهي مراسيم الحفل وتشكر الجارة كل من لبّى وهنأ وبارك وتدعو لهم برد الجميل في أفراحهم وينصرف أهل العرس لمتابعة أشغالهم وترتيب بيتهم أما الأخوة فقد قرروها سبعاً ملاحاً….فظلت الأفراح عامرة على صفحاتهم يتبادلون فيها تهانيهم الحارة ويزفون مباركاتهم للأمة الاسلامية جمعاء..

ففوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي من وجهة نظرهم هو نصر كبير للإسلام والمسلمين وحتى يثبتوا صحة ادعاءاتهم أخذت تتداول صور لزعيم الحزب أردوغان مرة وهو يصلي وأخرى وهو يرفع قرآنا بيده وصورا أخرى كثيرة من هذا القبيل.

غاب عن ذهن إخوتنا أن تركيا بلد علماني تعددي وأن من يصل لكرسي الحكم عبر صناديق الانتخاب سيحكم وفق دستور البلاد سواء كان إسلاميا أو علمانيا وأن الشعب التركي الذي أثبت أنه شعب تليق به الديمقراطية لم يصوت لحزب العدالة والتنمية لأن زعيمه وأعضائه يقيمون الصلاة على وقتها أو لأن السيدة الأولى تظهر محتشمة بحجابها الى جانب زعيمه؛ وللعلم فقد حاول البعض أن يصور فوز العدالة والتنمية على أنه نصر لحجاب المرأة عندما وجدوا تلك المرأة السبعينية التي تخوض غمار الانتخابات وعلى ذمة من رفع الصورة أنه عندما توجه أحدهم بسؤالها “لمن ستدلي بصوتها ؟” كان ردها “لمن سمح ببقاء الحجاب على راس ابنتي “.

وهنا لابد أن نذكر هؤلاء الأخوة أن الشعب التركي وضع ثقته في الحزب الذي نهض بتركيا في كل المجالات وخاصة الاقتصادي منها، لأن قوة أي بلد تكمن في قوة اقتصاده لا في قوة ايمان أحزابه.. فبالأرقام ووفقا للتقارير ارتفعت قيمة الصادرات التركية لتبلغ 100 مليار دولار وقفز الناتج المحلي الاجمالي من 181 ملياراً ليبلغ 400 مليار دولار خلال الاربع سنوات ونصف الماضية، أما معدل الدخل الفردي فقد ارتفع من 2590 دولاراً سنوياً قبل استلام الحزب الى 5700 دولاراً أي ما يعادل الضعف تقريبا …كل ذلك دفع الشعب التركي لإعادة انتخاب العدالة والتنمية من دون أي تردد.

وفي الطرف المقابل كان رأي بعض السوريين ممن هم مع الثورة قلبا وقالبا أن سياسة الحزب كانت كارثية على الثورة السورية من حيث دعمها للإخوان المسلمين وتسهيل مرور الجهاديين المتطرفين عبر أراضيها….اضافة للتصريحات الكثيرة التي أطلقها زعيم الحزب أردوغان حول رحيل الأسد والخطوط الحمراء وحماية المدنيين بمناطق عازلة وغيرها من التصريحات….كما وأخذوا على تركيا علاقاتها التجارية القوية مع روسيا وايران …وذهب البعض لأبعد من ذلك كله فتذكروا لواء اسكندرون السليب والمجازر التي ارتكبها الاتراك بحق الشعب الارمني….!!

لذا كان لزاما علينا تذكير الأخوة في هذا التيار أنه لا يمكن مناقشة السياسة التركية تجاه الثورة السورية بشكل موضوعي وعقلاني بمعزل عن مناقشة سياسات دول العالم تجاهها – بما في ذلك الدول الشقيقة – من حيث الدعم و التصريحات سواء للثورة او للنظام ..أو من حيث فتح الحدود أمام السوريين الهاربين من بطش النظام وكذلك تسهيل مرور الجرحى اللذين عولج أغلبهم في المشافي التركية … ولابد من إجراء مقارنة بسيطة بين مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا ومثيلاتها في الدول الشقيقة.

يجب على السوريين ألا ينسوا بأن سياسات الدول تبنى على المصالح لا على العواطف.. فمصالح تركيا بالنسبة لأي حزب تركي آخر هي اولى اولوياته ولن يضحي بها خدمة لنا.

أما السؤال الأهم فهو من بين كل الأحزاب المتنافسة على الساحة التركية ما هو الخيار الأفضل والأكثر تحقيقا لمصالحنا ؟ ما هو الحزب الذي ستكون سياسته اقل كارثية على ثورتنا فيما لو استلم الحكم حتى يصفق له السوريون ويباركوا لثورتهم ولأنفسهم بفوزه ؟؟

لقد اختلفت آراءنا بين أقصى اليمين وأقصى الشمال من حيث التأييد والرفض لحزب العدالة والتنمية… لكن وحدنا شعور كبير بالغصة والحرقة على حلمنا بوطن دستوري تعددي وصناديق اقتراع نزيهة تنسينا لعنة الحزب الواحد ولعنة احزاب الجبهة الوطنية التقدمية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.