كيف يفهم النخبة الموقف من السلطة؟

هناك بديهية واضحة وهي حالة الصراع المستمر بين شكل السلطة وبين الجماهير، وبينهما تتجسد النخبة التي تنقسم دائماً بين مؤيدين للشعب وبين مؤيدين للسلطة (بغض النظر عن تشعبات الوعي لكل شخص على حدة أو تقديمه مبررات لمواقفه).

213
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في المسلسل السوري الخربة، يقول فياض راعي العجّال لابن عمه المناضل الشيوعي: :خيي يلي بدو يعمل مراجل، هدول بيت بومالحة جنبينا، بروح واحد بتمرجل عليهن، مو ع الامبريالية يلي بينا وبينها سبع بحور”. كلام فياض رغم عفوية الشخصية لكنه يحمل سؤالاً جوهرياً حول موقف النخب، سياسية وثقافية، من الشعوب وحركاتها.

خلال الأيام الماضية أصدرت أصالة نصري، المعروفة بمواقفها من الحراك الشعبي في سورية، أغنية عن السلام، وفي الفيديو كليب ظهرت صورة لعمر المختار إلى جانب السيسي والسادات، وبدأت انتفاضة السوشيال ميديا والتأويلات والتغريدات التويترية وبوستات الفيسبوك، هناك من دعم ما قصدته أصالة، وهناك من وقف ضدها.. الخ. وأنا لن أتوقف عند الأهداف وراء الفيديو أو ما رمت إليه أصالة، لكن ما استثارني بشكل شخصي هو ذلك السؤال العميق منذ البداية وموقف النخب المثقفة والفنانين بشكل عام من الانتفاضات الشعبية في كل الوطن العربي، وبدأ يطفو في رأسي ذلك السؤال منذ عام 2014.. لو كان محمد الماغوط حياً وهو المعروف بنضاله وسجنه الطويل، فما هو موقفه مما يجري في سوريا؟.

وبعد توالي المواقف الثقافية والفنية في الوطن العربي من انتفاضات الشعوب مثل زياد الرحباني أو أدونيس، نزيه أبو عفش أو الفنانين بشكل عام كعادل إمام أو بسام كوسا، وأخيراً أصالة التي عُرفت كمناهضة لممارسة النظام السوري، ترسخت لديّ تلك القناعة.. لقد شعرت فعلياً بالسعادة أن الماغوط ودرويش ودنقل وآخرين ماتوا قبل أن يشهدوا هذه الانتفاضات، فلا أحد يمكن له التنبؤ بما ستكون مواقفهم فعلياً إذا ما أسقطنا رؤى النخب اليوم عليهم.

شعرت فعلياً بالسعادة أن الماغوط ودرويش ودنقل وآخرين ماتوا قبل أن يشهدوا هذه الانتفاضات، فلا أحد يمكن له التنبؤ بما ستكون مواقفهم فعلياً إذا ما أسقطنا رؤى النخب اليوم عليهم.

بالعودة إلى أصالة ـ ومجازاً نسمي هؤلاء الأشخاص نخباً ـ ما الذي دعاها للقيام بهذا الأمر، هل هناك صعوبة على الدماغ أن يفهم الإنسان بشكل طبيعي أن العالم منقسم إلى نمطين واضحين، وليس كما تجسده الرؤية الماركسية الكلاسيكية، ما أسمته بالطبقيّة، بل هو وجود سلطة وشعب، فالسلطة حتى لو كانت من جنس طبقة الشعب، فهذا لا يعني أنها لا تقمع الشعب. يسقط تلقائياً المنظور الماركسي من المعادلة.. فهذا جمال عبد الناصر مات طبقياً شعبياً فقيراً، لكن هذا لا يغير من حقيقة أنه كان يجسد العسكرة والسلطة والديكتاتورية بأسوأ أشكالها القمعية.

إذاً هناك بديهية واضحة وهي حالة الصراع المستمر بين شكل السلطة وبين الجماهير، وبينهما تتجسد النخبة التي تنقسم دائماً بين مؤيدين للشعب وبين مؤيدين للسلطة (بغض النظر عن تشعبات الوعي لكل شخص على حدة أو تقديمه مبررات لمواقفه).

مقطع من أغنية أصالة الجديدة(الحل السوري)

عملية الاختيار المزاجي والانتقائية في إيجاد نمط داعم أو رافض للسلطة، يُقدّم النخبة دائماً بصورة متأرحجة، هناك رؤية خاصة بالانضواء لجهات معينة على حساب أخرى. تماماً مثلما جرى سابقاً مع حراك لبنان وقصة المطربة فايا يونان الداعمة للنظام السوري وخرجت لتعبّر أنها مع حراك لبنان، هذا الانفصال الذهني وليد توجهات ثقافية وأمراض اجتماعية عامة، لو كان لبنان لا يمتلك تاريخياً تلك النزعة التفوقية على شعوب المنطقة، وإحساس كثيرين أنهم “كوول” إذا ما شعروا بانتمائهم لذلك البلد، فلن يخرج أحد ليدعم حراك لبنان (ونتحدث عن بعض النخب بالطبع)، والأمر نفسه بالنسبة لأصالة وأدونيس والفنانين، كلهم لديهم نزعات فردية تؤثر لاحقاً في تجزئة المبادئ لديهم، والأمثلة كثيرة:

الانتقائية من النخب إزاء الواقع تدمر كلياً أي مسعى حقيقي لإنشاء ذهن مختلف وتفكير حر على كافة المستويات، بالنسبة لهم أو حتى بالنسبة للقاعدة الشعبية المتعلقة بهم.. حتى أنها تؤثر في انتقائية الناس في الشارع.

هناك من يقف ضد التدخل الروسي بسوريا لكنه لا يملك أي مشكلة بالتدخل الروسي بأوكرانيا. وهناك من يقف مع تركيا لكنه يدعم التدخل التركي بليبيا، والقائمة لا تنتهي من ازدواجية المعايير الذهنية، لا أحد يريد أن يتخذ موقفاً بديهياً واضحاً من المسألة، بأن أي سلطة مهما كانت ديمقراطية فهي قطعاً تريد خلق قطيع شامل.. هل يوجد ما هو أفضل من سويسرا كنظام! ومع ذلك الآلة الاجتماعية تخلق من الشعب حالة دوران إنتاجي دائم ولو أن الشعب يعيش بشكل ممتاز، في النتيجة هو خاضع لحلقة من الاستعباد غير المباشر.

هذه الانتقائية من النخب إزاء الواقع تدمر كلياً أي مسعى حقيقي لإنشاء ذهن مختلف وتفكير حر على كافة المستويات، بالنسبة لهم أو حتى بالنسبة للقاعدة الشعبية المتعلقة بهم.. حتى أنها تؤثر في انتقائية الناس في الشارع.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
تعليق 1
  1. أحمد يقول

    مادة عظيمة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.