كيف نفصل بين الحقائق والأكاذيب في أثناء تغطية النزاعات (القسم 3)

اعداد: د. كورت بيلدا

ترجمة: ميثاق “شرف” للإعلاميين السوريين

على المرء أن يكون حذراً جداً عندما يكون هناك حديث عن مجازر مزعومة، اللهم إلا إذا أتيحت للمرء فرصة أن يعاين بنفسه مسرح الجريمة، وأن يتكلم إلى العديد من الشهود العيان بصورةٍ مستقلة عن بعضهم البعض.

وعلى المرء خصوصاً أن يبدي حذره إذا كان الدليل الوحيد المقدم هو صورٌ أو فيديوهات للأعمال الوحشية التي التقطت عن طريق الهواتف الذكية. فحتى وإن كانت الصور حقيقية، فلعلها تكون قديمة أو أخذت من مكانٍ آخر خلاف المكان المزعوم. على سبيل المثال، اتضح أن الصور التي استعملت للدلالة على الدمار الذي أحدثته الطائرات الإسرائيلية في قطاع غزة مأخوذة من حلب في سوريا.

في إحدى المرات أنفقت الكثير من المال من أجل قصة مغرية تتعلق بالمنشقّين عن تنظيم الدولة الإسلامية. سافرت إلى أورفا، وهي مدينة تركية قرب الحدود السورية. هناك قابلت وسيطاً قال إنه يعمل بتهريب المنشقين إلى خارج سوريا. تمكنت من التحدث إليه، بل وتصوير العديد من النساء والرجال الذين بدت تصريحاتهم حقيقية ومنطقية.

لكني بعد ذلك طلبت من الوسيط تقديم دليلٍ مادي، كالصور مثلاً، تثبت أن الذين قابلتهم كانوا فعلاً عناصر في الدولة الإسلامية. أعطاني بضع صورٍ وجدتها منذ البداية مشبوهة. بعض الصور كانت لنساءٍ يرتدين نقاباً أسود، ويحملن بنادق كلاشينكوف. كن يرتدين عصائب على رؤوسهن عليها كتابة بالعربية. عيون النساء في الصور لم تتطابق مع عيون النساء المحجبات اللائي أجريت معهن المقابلات.

مع أن دقة الصور كانت أقل من أن تساعدني على قراءة الكتابة العربية على العصائب، إلا أن تصميمها ذكرني بتلك العصائب التي تستخدمها حركة حماس الفلسطينية. وعندما عملت بحثاً في غوغل استطعت أن أعثر على معظم الصور في مواقع ليس لها علاقة بسوريا أو بالدولة الإسلامية. فقد استُخدمت الصور من قبل في سياقاتٍ مختلفة، والوسيط قام ببساطة بتحميلها من الإنترنت.

من الممكن أن الصور التي قدمها الوسيط هي وحدها المزورة وأن يكون المنشقون فعلاً منشقين حقيقيين. ومع ذلك فلم أستخدم تصريحاتهم ولا مقابلات الفيديو التي أجريتها معهم. كان عليّ أن أطلب الدليل المادي قبل أن أتجشم عناء السفر إلى أورفا.

صحافة الحرب تقتضي الاطلاع على الأسلحة المختلفة. فمن أجل سلامتك، ومن أجل جودة تغطيتك يجب أن تمتلك على الأقل معرفة أولية بسلاح المشاة، والدبابات والطائرات التي تستخدم في حروب اليوم.

من الأمثلة التي توضح حجم الكارثة؛ عندما يعتمد الصحفي على إفادات الشهود دون المعاينة البصرية لموقع الحدث هو إحدى التجارب التي مرت بها جريدة يومية ألمانية. في منتصف عام 2012 حصلت مذبحة كبيرة بحق مدنيين في منطقة الحولة في سوريا.

مع أن محققي الأمم المتحدة سارعوا بإلقاء اللوم على الجيش والميليشيات الحكومية في مقتل ما يربو على مئة مدني، إلا أن مراسل الجريدة كانت لديه رواية مختلفة تماماً. فبناءً على شهادات بعض “الشهود” الذين التقاهم المراسل في مناطق يسيطر عليها النظام ادعى المراسل أن المتمردين هم في حقيقة الأمر من ارتكب الجريمة.

عندما قرأت نسخته عن الحدث استوقفتني إحدى الجمل. أولاً، اقتبس المراسل من تقريرٍ لوكالة أسوشيتد برس قال فيه أحد الشهود؛ أنّ مرتكبي المذبحة رؤوسهم حليقة للصفر ولحاهم طويلة. وهكذا قفز المراسل ليستنتج: “هذه هي هيئة الجهاديين المتطرفين وليس الميليشيات الحكومية”.

لو أنه فقط تصفح صفحات البعض من عناصر هذه الميليشيات الحكومية على فيسبوك لعرف أن هؤلاء الأشخاص يحبون دائماً أن تكون رؤوسهم صلعاء ولحاهم طويلة. إن جهله بهذا التفصيل دفعني للشك بالتقرير برمته.

وقد خضعت نسخته عن الحادثة للتفنيد لاحقاً من قبل مجلة إخبارية ألمانية قام مراسلها بتجشّم عناء السفر مع المتمردين إلى الحولة ليتمكن من فرصة تكوين انطباع شخصي إضافةً إلى الحصول على إفاداتٍ لشهود عيان. كما أن الأمم المتحدة نشرت تقرير اللجنة التي أسستها للتحقيق بالمذبحة، والذي ورد فيه: “توصلت اللجنة إلى أن القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها هي المسؤولة عن عمليات القتل في الحولة”.

بين الفينة والأخرى كنت ألتقي بصحفيين غربيين في خطوط القتال يرفضون السفر بسياراتٍ فيها مقاتلون يحملون أسلحتهم معهم. من الممكن أن يكون رفضاً كهذا منطقياً تحت ظروفٍ معينة، لكن بشكلٍ عام لا يجدر بالمسالمين جداً بطبيعتهم أن يذهبوا إلى خطوط القتال.

صحافة الحرب تقتضي الاطلاع على الأسلحة المختلفة. فمن أجل سلامتك، ومن أجل جودة تغطيتك يجب أن تمتلك على الأقل معرفة أولية بسلاح المشاة، والدبابات والطائرات التي تستخدم في حروب اليوم.

وهذه عادةً ما تكون نوعيات قديمة يمكن إيجادها جميعاً في ويكيبيديا. الصحفي الذي لا يستطيع تمييز بندقية إم 16 الهجومية الأمريكية عن بندقية آك-47 السوفييتية، أو تمييز مقاتلة إف 16 الأمريكية عن سوخوي 25 الروسية، هكذا صحفي ربما لا يجدر به العمل على التغطية الإخبارية على خطوط قتالية.

فأولاً عليك أن تمتلك معرفة بقوة تأثير الأسلحة التي تستخدم في المنطقة التي تقوم بها بالتغطية. من شأن هكذا معرفة أن تساعدك في تقرير ما هو التحصن الكافي في حالتك؟ وما هو ما هو غير كافٍ. فعادةً لا تحميك سيارة أو حائط من الآجر ضد سلاح المشاة. والبيت قد يحميك من قذائف الدبابات إن اخترت المكوث في الاتجاه الصحيح من البناء، لكن البيت لا يقدم لك حماية من قذائف الهاون لأن تلك القذائف تنطلق عالياً في السماء قبل أن تسقط عليك بشكلٍ عمودي.

المعرفة الأولية بالأسلحة تحصّنك أيضاً ضد ارتكاب أخطاءٍ صحفيةٍ فادحة. على سبيل المثال، منذ بداية التدخل الروسي في سوريا تم كتابة الكثير من التقارير التي تلقي باللائمة على طيارين روس في قصف المشافي وخلاف ذلك من جرائم الحرب. غير أن كلا الجيشين الروسي والسوري يستخدمان نفس أنواع المقاتلات الهجومية السوفييتية العتيقة من قبيل سوخوي 24.

وهكذا فحتى لو كنت شاهداً بنفسك على غارةٍ جوية تنفذها طائرة من هذا الطراز فلن يكون بمقدورك تحديد فيما لو كان الطيار روسياً أم سورياً؛ لأن المقاتلات عادةً ما تحلق على ارتفاعاتٍ عاليةٍ جداً، ولن يكون بالإمكان التعرف على الشعار المثبّت على أجنحة الطائرة. ولكي تتأكد من أنّ الغارة روسية وليست سورية فأنت بحاجةٍ لأن تتمكن من التمييز بين الأنواع المختلفة من الطائرات من قبيل سو 25 أو سو 34 التي يستعملها سلاح الجو الروسي دون السوري.

ولا ينبغي أن تقتصر خبرة مراسلي الحروب على أنواع الأسلحة والتكتيكات العسكرية، بل عليهم الإحاطة بأنواع الإصابات التي تتسبب بها الأسلحة المختلفة. من شأن هكذا إحاطة أن تساعد في تجنب الوصول لنتائج مغلوطة بخصوص من تقع عليهم المسؤولية لمقتل مدنيين، أو أسرى حرب، أو ضحايا مذابح.

يعتبر هجوم الدولة الإسلامية على مسرح باتاكلان في باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 مثالاً حزيناً لكنه معبراً في هذا السياق. لم يكن الصحفيون هم الذين سارعوا لاستنتاجاتٍ مغلوطة بسبب نقص خبرتهم بأنواع جراح المعارك في تلك الحادثة وإنما رجال الشرطة. فقد رأى الشرطة أجساد ضحايا من دون عيونٍ أو أضلاع، واعتقدوا أنّ الإرهابيين قطعوا الرؤوس واقتلعوا العيون.

وهذا بدوره شجع بعض وسائل الإعلام وخصوصاً اليمينية لإطلاق تنبؤاتٍ عن حصول تعذيب وأعمال وحشية أخرى تم ارتكابها في باتاكلان كما لو أن الهجوم الإرهابي لم يكن بحد ذاته مريعاً بما فيه الكفاية. نُشرت التفاصيل في أكثر من 900 صفحة ضمن تقريرٍ استقصائي رسمي؛ أفاد بأن شرطياً واحداً هو الذي قدم معلوماتٍ بحصول تعذيب في باتاكلان.

وهكذا استنتجت صحيفة (بريتش ميل أنلاين)، على سبيل المثال، أن “الحكومة الفرنسية أخفت معلومات بخصوص تعذيبٍ رهيب وقع لضحايا باتاكلان، حيث أنّ التحقيق الرسمي أفاد؛ أن بعض الضحايا تم خصاؤهم وأن عيونهم تم اقتلاعها من قبل مجرمي داعش”.

أنصح الصحفيين الراغبين باكتساب خبرة بالجراح التي يتسبب بها القتال أو تحصل أثناء المجازر بإلقاء نظرةٍ عن كثب للجثث في ساحة المعركة وأن يزوروا المشافي في مناطق الصراع.

استخدم المعادون للإسلام هكذا تقارير للتحريض ضد جميع المسلمين من دون تمييز. لكن لو أن الصحفيين قرأوا التقرير كاملاً لحصل لديهم فهمٌ أفضل لما جرى.

فمثلاً لقد اتضح لاحقاً؛ أنّ الشرطة لم تعثر ولو على سكينٍ واحدة أو أية أداة حادة أخرى مناسبة لتقطيع الرؤوس أو الأضلاع البشرية. كما أن ضابط الشرطة الذي تكلم عن تقطيع الرؤوس والأضلاع قال: إنه لم ير الجثث بنفسه، وإنما أخبره بذلك ضابطٌ آخر.

لكن ما رآه ذلك الشاهد ربما يكون نتيجة طلقاتٍ من بندقية آك 47 س من مسافةٍ قريبة. فبإمكان طلقةٍ من هذه البندقية أن تستهدف الرأس مباشرةً، وأن تقتلع عيناً وتترك جرحاً غائراً. وبإمكان حزام ناسف أن يقطع الأطراف. لكن الجراح التي يتركها الحزام مختلفةٌ عن تلك التي تتسبب فيها السكين فيما لو استخدمت لهذا الغرض.

وأنا أنصح الصحفيين الراغبين باكتساب خبرة بالجراح التي يتسبب بها القتال أو تحصل أثناء المجازر بإلقاء نظرةٍ عن كثب للجثث في ساحة المعركة وأن يزوروا المشافي في مناطق الصراع. أعلم أن هذا الاقتراح رهيبٌ طبعاً، ولكنه يساعد الصحفي في القيام بعمله على نحوٍ أفضل.

أنصح الصحفي أن يسأل الأطباء وأفراد الفرق الطبية في تلك المشافي عن نوع السلاح الذي سببت هذا الجرح أو ذاك. إلقاء نظرة على القتلى والجرحى في المشافي يذكر الصحفي دائماً أن الحرب بحد ذاتها مذبحةٌ رهيبة حتى عندما يكون اسمها “حرب على الإرهاب” وحتى وإن استخدمت الأسلحة الحديثة ذات الدقة العالية.

إن “الأضرار الجانبية” لما يُسمّى القنابل الذكية (وهم في هذه الحالة مدنيون تمزقهم هذه القنابل إرباً لأن حظهم العاثر جعلهم يتواجدون في المكان الزمان الخاطئين) لا يختلفون عن الضحايا الذين يسقطون في الهجمات الانتحارية. كلاهما بريؤون تماماً.

وفي النهاية، المعاينة البصرية للمظهر الخارجي هي الأداة الأهم في يدك كمراسلٍ حربيٍ. فهي التي ستساعدك، بالإضافة إلى المعرفة والخبرة، في التمييز بين الحقائق من جهة والأكاذيب والبروبوغاندا من جهةٍ ثانية.


كورت بيلدا: يعمل في تغطية الحروب منذ ما يربو على ثلاثين سنة. تنقّل بين مناطق النزاع ابتداءً من أفغانستان، مروراً بليبيريا، الصومال، الكونغو وحتى دارفور، ليبيا، سوريا والعراق. عمل لصالح (نيو زرشير زيتنغ) بين عامي 2002 و2010. كما عمل لصالح (فاينانشال تايمز) في نيويورك بين عامي 1999 و2001. حصل على شهاد الدكتوراه من جامعة باسيل عام 1998.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.