كيف غير فيروس كورونا طبيعة حياة البشر في عام 2020

من كان يتخيل، أن ما عشناه من تفاصيل وأحداث في العام 2020، كنا سنعيشها في يوم ما؟ ألم يكن ما مر العالم به يشبه فيلماً من أفلام الخيال العلمي، أطلق صانعوه العنان لخيالهم؟

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

غيرت جائحة فيروس كورونا وجه العالم في العام 2020، ربما بطريقة لم تحدث في العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

خلال عام واحد فقط، حصد فيروس كورونا أرواح أكثر من 1,800000 مليون نسمة، وأصيب أكثر من 85000000 مليون إنسان بالفيروس، وهي حصيلة تقل عن العدد الفعلي على الأرجح، كما شل فيروس كورونا، الاقتصاد العالمي، وهزم أقوى الأنظمة الاقتصادية في العالم، واجتاح المجتمعات وحجر نحو أربع مليارات إنسان في منازلهم. وغير من آليات العمل والدراسة، وجعلها عن بعد، وعاش الجميع في ظل إرشادات صارمة بشكل متزايد للصحة والسفر خصوصا بعد تحديد سلالة جديدة من الوباء أشد عدوى، في المملكة المتحدة.

البداية

ما كان أحد ليتصور حجم الكارثة عندما أعلنت السلطات الصينية في 31 ديسمبر 2019 تسجيل 27 إصابة بالتهاب رئوي فيروسي في ووهان في وسط الصين.

أول وفاة في ووهان غداة ذلك، أغلقت السلطات سوق الحيوانات الحية في ووهان للاشتباه بارتباطها بظهور الفيروس. في السابع من يناير/ كانون الثاني 2020، أعلن المسؤولون الصينيون تحديد فيروس جديد سمي «2019-ان كوف»، وفي الحادي عشر من الشهر نفسه أبلغت الصين عن أول وفاة في ووهان، وفي غضون أيام قليلة بدأت تسجل إصابات في آسيا وفرنسا والولايات المتحدة.

في نهاية يناير/ كانون الثاني، باشرت الدول إجلاء مواطنيها من الصين، وبدأت الحدود تغلق فيما وُضع المقيمون في ووهان في إقليم هوباي الذي يزيد عددهم عن خمسين مليوناً، في الحجر الصحي.

يقول عالم الأوبئة المتخصص بالأمراض المعدية ستين فيرموند عميد كلية الصحة العامة في جامعة يال “تجربة الجائحة هذه فريدة في حياة كل شخص على وجه الأرض. فبطريقة أو بأخرى تأثر كل واحد منا بها”.

يلخص الصيني وان شونهوي “44 عاماً” تجربته مع المرض الذي أدخله المستشفى مدة 17 يوماً “وصلت إلى أبواب الجحيم وعدت، لقد شاهدت الذين لم يتعافوا وماتوا وقد ترك فيّ ذلك أثرا عميقا”.

الوصول إلى أوروبا

عندما رست سفينة «دايمند برينسيس» السياحية في اليابان مطلع شباط/ فبراير تبين أن أكثر من 700 من ركابها أصيبوا بالفيروس وتوفي 13 منهم. وعم الرعب العالم.

في 11 شباط/ فبراير، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن اسم الوباء هو «كوفيد-19»، وبعد أربعة أيام على ذلك أعلنت فرنسا تسجيل أول وفاة خارج آسيا، وانتاب الرعب أوروبا مع تحول شمال إيطاليا إلى بؤرة للمرض في القارة القديمة.

في أذار/ مارس، تحدث أورلاندو غالدي رئيس بلدية فيرتوفا في منطقة لومبارديا حيث توفي 36 شخصا في غضون 25 يوماً عن اليأس الذي ينتابه بقوله “من العبث أن نرى في العام 2020 جائحة مماثلة أسوأ من الحرب”. وفرضت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا الإغلاق التام، وأعلنت منظمة الصحة العالمية «كوفيد-19» جائحة.

وأوصدت الولايات المتحدة حدودها المغلقة أساسا مع الصين، أمام غالبية الدول الأوروبية.

الإغلاق والحجر

في منتصف نيسان/ أبريل كان 3,9 مليارات شخص، أي نصف البشرية يعيشون في ظل شكل من أشكال الإغلاق، من باريس إلى نيويورك مرورا بنيودلهي ولاغوس ولندن وبوينوس أيريس لم تكن تعكر صمت الشوارع المقفرة إلا صفارات سيارات الاسعاف مذكرة بأن الموت في المرصاد.

وأدى توقف شبكات الإمداد إلى انقضاض المستهلكين المذعورين على المتاجر الكبيرة. وظهرت جلية نتائج النقص المزمن في الاستثمار في المنشآت الصحية مع مستشفيات تكافح من أجل استمرار عمل أقسام العناية المركزة فيها التي تجاوز عدد المرضى فيها قدرتها على الاستيعاب. وراحت طواقم تعاني أصلاً من انخفاض الأجور، تخوض المعركة من دون وسائل الوقاية الضرورية.

وبدأ العمل من المنزل للأشخاص القادرين على ذلك. وحلت مؤتمرات الفيديو مكان اجتماعات العمل والسفر والاحتفالات، فيما عرض الأشخاص الذين يتطلب وظيفتهم حضورهم شخصيا حياتهم أو منصبهم للخطر، ففي مايو كانت الجائحة قد تسببت بخسارة 20 مليون شخص لعملهم في الولايات المتحدة.

جهود الطواقم الطبية (جريدة الكويتية)

أشبه بفيلم رعب

منذ عقود كان العلماء يحذرون من احتمال حصول جائحة عالمية إلا أن مخاوفهم هذه لم تلق أذانا صاغية، ومع هذا الوباء باتت أكثر الدول ثراء عاجزة أمام هذا العدو الخفي.

وقال نيليما فايدا-بامار الطبيب في بومباي “حصلت على شهادتي في العام 1994 وكانت المستشفيات الرسمية مهملة منذ ذلك الحين”. وتساءل “لما احتاج الناس إلى جائحة ليستيقظوا؟”، والهند هي ثالث أكثر الدول تضرراً من الجائحة بعد الولايات المتحدة والبرازيل.

في نيويورك التي تضم أكبر عدد من أصحاب المليارات في العالم، التقطت صور لطواقم طبية يرتدي أفرادها أكياس قمامة للوقاية من الفيروس. وقد أقيم مستشفى ميداني في وسط سنترال بارك ومقابر جماعية على جزيرة هارت أيلاند قبالة حي برونكس في المدينة.

وقال فيرجيليو نيتو رئيس بلدية ماناوس في البرازيل “الأمر أشبه بفيلم رعب، لا يمكننا التحدث بعد الآن عن حالة طوارئ إنها كارثة مطلقة”، وتكدست الجثث في شاحنات مبردة بانتظار أن تحفر جرافات مقابر جماعية ضخمة. وراحت الشركات تقفل وكذلك المدارس والجامعات. والغيت اللقاءات الرياضية. وباتت حركة الملاحة الجوية المدنية شبه متوقفة شاهدة على أسوأ أزمة في تاريخها. وأقفلت المتاجر والحانات والنوادي والمطاعم أبوابها.

الفيروس لم يفرق بين الناس

لا الأغنياء ولا النافذين يمكنهم شراء مناعة ضد الفيروس، فأصيب ترامب بالفيروس في تشرين الول/ أكتوبر وقبله نظيره البرازيلي جايير بولسونارو في تموز/ يوليو. وأمضى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ثلاثة أيام في العناية المركزة في نيسان/ أبريل. وأصيب بالفيروس الممثل توم هانكس وزوجته ريتا ويلسون وأيضا نجم كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو وبطل كرة المضرب نوفاك ديوكوفيتش والمغنية مادونا والأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وأمير موناكو ألبير الثاني.

كما أصيب به في ديسمبر/ كانون الثاني الرئيس الفرنسي ماكرون، والرئيس الجزائري.

معركة اللقاحات

وبدأ السباق إلى تطوير لقاح، ووضعت شركة «بايونتيك» الألمانية الصغيرة جنباً أبحاثها حول مرض السرطان، للتركيز على مشروع جديد سمته «سرعة البرق».

ومع اقتراب نهاية العام، بدأت أولى اللقاحات تطرح في الأسواق، وأعلنت مختبرات فايزر الأميركية العملاقة مع شريكتها بايونتيك الألمانية تطوير لقاح فعال بنسبة «90 %». وسارعت الحكومات لضمان مخزون من هذه اللقاحات. وبعد أسبوع على ذلك، أعلنت شركة موديرنا الأميركية لقاحا فعالا بنسبة 95 %. حرب اللقاحات وتستعد الحكومات لتلقيح ملايين الأشخاص بدءا بالمسنين وأفراد الطواقم الطبية والفئات الضعيفة قبل أن توسع نطاق التطعيم ليشمل السكان كلهم وهو السبيل الوحيد لعودة لحياة إلى طبيعتها. في كانون الثاني/ ديسمبر، أصبحت بريطانيا أول بلد غربي يرخص للقاح فايزر/بايونتيك وكانت قبلها روسيا والصين باشرتا حملات تطعيم بلقاح خاص بكل منهما. وبعدها باشرت الولايات المتحدة التلقيح فيما أعطت أوروبا الضوء الأخضر للقاح فايزر-بايونتيك. ومع تهافت أكثر الدول ثراء على شراء اللقاحات يتوقع أن تشهد بداية العام 2021 منافسة دولية على اللقاحات. فستجهد الصين وروسيا للترويج للقاحهما الأفضل سعرا خصوصا في إفريقيا وأميركا اللاتينية.

صورة تعبيرية(تويتر)

الأثر الدائم

من الصعب راهنا تقدير الأثر الدائم الذي ستتركه الجائحة على المجتمعات. فبعض الخبراء يرون أن التوصل إلى مناعة جماعية يحتاج إلى سنوات فيما يراهن آخرون على عودة الوضع إلى طبيعته في منتصف 2021.

ويرى البعض أن الجائحة قد تؤدي إلى نهج أكثر مرونة بشأن العمل عن بعد أو حتى إلى نقل جزئي لسلاسل الإنتاج. في المقابل، يرى آخرون أن الخشية من التجمعات الكبيرة سيكون له تبعات عميقة على وسائل النقل والسياحة والمناسبات الرياضية والثقافية. ويشكل تأثير ذلك على الحريات المدنية مصدر قلق آخر أيضا.

تراجع في الديموقراطية وحقوق الإنسان

يفيد محللون في «فريدوم هاوس» أن الديموقراطية وحقوق الإنسان تراجعت في 80 دولة في إطار الاستجابة للفيروس.

ويتوقع ستين فيرموند من جامعة يال «تغييرات عميقة في المجتمعات». وإذا أصبح العمل عن بعد القاعدة في قطاع الخدمات ماذا سيحل بسوق العقارات في وسط المدن؟ هل سيتراجع عدد السكان في المراكز الحضرية مع انتقال كثيرين إلى فسحات واسعة مع سعيهم إلى تجنب وسائل النقل المكتظة؟

ويتوقع أن يتعرض الاقتصاد العالمي لخضات جديدة فقد أعرب صندوق النقد الدولي عن قلقه من حصول ركود أسوأ من ذلك الذي تلا الأزمة المالية في 2008، إلا أن كثيرين يعتبرون أن الجائحة تحمل كارثة أكثر دمارا واستدامة.

مصدر رويترز، (د.ب.أ) (أ.ف.ب) (أ.ب)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.