كيف صنّعت تركيا الطائرة بدون طيار “درونز”؟

ما الأسباب التي جعلت من تركيا تسعى لتصنيع الطائرة بدون طيار “درونز”؟ وما المراحل التي مرت بها هذه الصناعة حتى استطاعت تركيا تصنيع الدرونز؟

الأيام السورية؛ قسم الأخبار

طموحات تركيا لإنتاج الأسلحة محليا، تعود إلى فترة السبعينيات القرن الماضي، فقد كان لدى المسؤولين الأتراك شكوك كبيرة حول الآثار السلبية للاعتماد على الأسلحة الأميركية والغربية، وما عزّز هذه الشكوك حدثان:

الأوّل؛ في عام 2014 حين رفض الكونغرس الأميركي نقل فرقاطتين من طراز “أوليفر هازارد بيري” إلى تركيا بسبب موقف أنقرة “العدائي” تجاه إسرائيل.

والثاني؛ الحظر طويل الأمد الذي فرضته واشنطن على تصدير الطائرات بدون طيار للعديد من الدول وفي مُقدِّمتها تركيا أيضا.

فحتى عام 2015 كانت الدرونز الأميركية تمتلك هيمنة مطلقة على سماوات العالم، هيمنة بدأت منذ اللحظة التي أطلقت فيها واشنطن أول هجوم مُسجَّل بالدرونز المسلحة في أفغانستان عام 2001، لكن ذلك تغيَّر خلال الأعوام الخمس الأخيرة مع تحقيق العديد من القوى الأخرى اختراقات في مجال تصنيع الدرونز وفي مُقدِّمتها الصين، وتركيا التي تُعَدُّ اليوم إحدى أبرز القوى العالمية في هذا المجال.

الأسباب الدافعة للتصنيع:

هناك العديد من الأسباب التي ربما دفعت أنقرة لوضع تصنيع الدرونز في قلب خطتها الطموح لإنتاج الأسلحة محليا منها:

1/ تُعَدُّ الدرونز سلاحا فعالا على المستوى الإستراتيجي والتشغيلي.
2/ غير مُكلِّفة مقارنة مع الأسلحة التقليدية وفي مُقدِّمتها الطائرات النفاثة.
3/ تصنيع الدرونز يُعَدُّ امتيازا حصريا لعدد قليل من الدول يمكن حصرها على أصابع اليد الواحدة، فإن النجاح في اختراق هذا المجال وفَّر لأنقرة السمعة العالمية التي تحتاج إليها كعضو جديد في نادي الدول المُصنِّعة والمُصدِّرة للأسلحة.
4/ صادرات تركيا من الأسلحة لم تتجاوز بعد 3% من حجم صادرات الأسلحة العالمية (وهم رقم تضاعف مرتين على الأقل مقارنة بعام 2016)، يبدو أن أنقرة مُصمِّمة على زيادة حصتها في هذا المجال مدفوعة بطموحات واسعة لتأسيس صناعة دفاع محلية راسخة، ويبدو أن الدرونز بمختلف أنواعها ستُواصل لعب دور رأس الحربة في هذه الجهود غير المسبوقة.
5/ سلوك أنقرة التي أصبحت أقل ثقة في الدعم العسكري الأميركي.

الخطوة الأولى

1/ أنقرة دخلت عصر الدرونز للمرة الأولى من الباب التقليدي، حين قامت عام 1996 بشراء 6 طائرات بدون طيار من طراز (GNAT 750 s) التي تُنتجها شركة جنرال أتوميكس الأميركية، وهي درونز محدودة الإمكانات تُستخدم لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات وظَّفها الأتراك لجمع المعلومات عن مقاتلي حزب العمال في محافظات جنوب شرق تركيا.

2/ لاحقا، عام 2006، طلبت تركيا الحصول على طائرات بدون طيار مسلحة من طراز “هيرون” من إسرائيل التي كانت تستخدم الطائرات العسكرية بدون طيار منذ السبعينيات، لكن الأمر استغرق خمس سنوات كي تقوم تل أبيب بتقديم الطائرات لأنقرة، قبل أن تتهم الأخيرة الإسرائيليين بتخريب محركات الطائرة وأنظمة التصوير عن بُعد وتُعيدها من أجل عملية إصلاح استغرقت هي الأخرى بضع سنوات.

3/ بدأت أنقرة ببذل جهود مبكرة لتدشين برنامج محلي لصناعة الدرونز، وتُشير التقديرات إلى أن تركيا بدأت في العمل على تصميم هيكل الطائرات والبرمجيات وأنظمة الاتصالات منذ أوائل التسعينيات، لكن البداية الفعلية لهذا المسار حدثت عام 2004 حين طرح الجيش التركي مناقصة حكومية لتصميم وتطوير طائرة بدون طيار متوسطة الارتفاع عالية التحمُّل (MALE) فازت بها الشركة التركية لصناعات الفضاء (تاي) التي أطلقت في ذلك الحين طائرة بدون طيار باسم “أنكا”، درون.

ورغم ذلك كله فإن المشكلة الرئيسة بالنسبة لتركيا كانت في أن “أنكا” مثلها مثل “هيرون” لم تكن درونز مسلحة، ما يعني أن الحلقة الناقصة في سلسلة التشغيل بين جمع المعلومات وتنفيذ العمليات وقتها لا تزال مفقودة.

طائرة أنكا (رويترز)

الجيل الثاني:

1/ في عام 2005، شاب تركي يبلغ من العمر 26 عاما، درس الهندسة الكهربائية محليا، وحصل على درجة الماجستير من جامعة بنسلفانيا الأميركية، نجح في إقناع مجموعة من المسؤولين الأتراك بحضور عرض صغير لطائرة بدون طيار محلية الصنع كان يعمل عليها بنفسه، ومن أجل إقناع المسؤولين بتبنّي مشروعه فقد أخبرهم الشاب “سلجوق بيرقدار” أن زملاءه في معهد ماساشوستس يعملون على نماذج مماثلة لمشاريع عسكرية أميركية.

2/ في وقت لاحق، قدَّم “سلجوق” بحثا علميا خاصا في معهد ماساتشوستس حوى خوارزمية لهبوط طائرة بدون طيار في تضاريس وعرة للغاية وحتى بشكل رأسي على الحائط، لكن الشاب التركي قرَّر بحلول عام 2007 قطع دراسته في المعهد الأميركي المرموق والعودة لتركيا للمشاركة في إدارة شركة العائلة “بيرقدار ماكينا”، وهي شركة متخصصة في مكونات السيارات تم إنشاؤها عام 1984 كجزء من جهود تركيا لتصنيع السيارات محليا، وبعد أن نجحت الشركة في الفوز بمناقصة طرحها الجيش التركي لتصنيع نموذج لطائرة صغيرة بدون طيار، أمرت أنقرة في النهاية بتصنيع 19 وحدة منها ونشرها في محافظات جنوب شرق البلاد.

3/ بفضل عمله الجديد مع الجيش وجد بيرقدار الفرصة أخيرا لاختبار نظرياته ونماذجه الجديدة ميدانيا، ونجح في إقناع الجنرالات بالوجود معهم في الميدان من أجل تدوين ملحوظات مُفصَّلة حول نوعية التقنيات المطلوبة لطائراته، وبحلول عام 2015 نجح المهندس الشاب أخيرا في إجراء عرض ناجح للطائرات بدون طيار الأكثر تطوُّرا من طراز “بيرقدار تي بي 2″، التي جذبت انتباه الجيش التركي بشدة بعد أن نجحت خلال تجارب الأداء في إصابة هدف على بُعد 8 كيلومترات باستخدام صاروخ مُوجَّه تركي الصنع أثناء تحليقها على ارتفاع يبلغ 4 كيلومترات.

4/ خلال فترة قصيرة، أصبحت طائرات بيرقدار الجديدة العمود الفقري لقوات تركيا الجوية بفضل قدراتها التقنية المرتفعة نسبيا، حيث تستطيع درونز بيرقدار اليوم التحليق على ارتفاع يصل إلى 24 ألف قدم (نحو 7.3 كيلومتر) لمدة تصل إلى 24 ساعة وتتمتع بمدى متوسط يُقدَّر بـ 15 كيلومترا، مع قدرة على حمل حمولة يبلغ وزنها 55 كيلوغراما.

5/ طفرة الدرونز التركية لم تقتصر على الزيادة في أعداد الطائرات وقواعد الدرونز فحسب، لكنّ مُطوِّري الدرونز الأتراك نجحوا في تحقيق قفزات تقنية ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، ففي أغسطس/آب 2018 نفّذت طائرات “أنكا” أول غارة جوية يتم التحكُّم فيها عبر الأقمار الصناعية، وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه أكملت “أنكا” أول رحلة بمحرك من إنتاج محلي، وفي عام 2019 كسرت كلٌّ من “بيرقدار” و”أنكا” سجلات التحمُّل الخاصة بهما وطارت كلٌّ منهما لمدة أطول من 24 ساعة، وفي العام نفسه كشف منتجا الطائرات بدون طيار الرئيسان في البلاد “بيرقدار ماكينا” وشركة الصناعات الفضائية التركية عن خطط لصناعة طائرات بدون طيار عالية الارتفاع مرتفعة التحمُّل (HALE) باسم “أكينسي” و”أكسونغور” على الترتيب، ليضعا بذلك تركيا على مشارف حيازة جيل جديد أكثر تطوُّرا من الدرونز المسلحة.

الجيل الثالث والمشروع الضخم:

1/ تُعتَبر الطائرة “أكينسي” على وجه الخصوص خطوة طموح للغاية في مشروع تركيا الضخم لإنتاج الدرونز، فمع محيط للطائرة من الجناح إلى الجناح يبلغ 20 مترا، وزمن تشغيل يتجاوز 24 ساعة وارتفاع يتجاوز 40 ألف قدم (نحو 15 كيلومترا)، وحمولة تتراوح بين 450 إلى 900 كجم، وقدرة على حمل وإطلاق صواريخ كروز طويلة المدى والقنابل المُوجَّهة بدقة، وتجهيزات أخرى متطورة تشمل رادارا متطورا ونظاما خاصا للحرب الإلكترونية وأنظمة اتصال فضائية، ماجعل طائرات “بيرقدار تي بي 2″ و”أنكا” تبدو بالمقارنة معها مجرد ألعاب بدائية.

3/ تعاونت “بيرقدار ماكينا” مع شركة “Ukrspecexport” الأوكرانية لتزويدها بالمحركات التوربينية المتطورة التي لا تزال تركيا عاجزة عن إنتاجها محليا، على أن تحصل كييف في النهاية على 12 وحدة من الطائرات المتطورة بعد اكتمال عملية إنتاج هذه الطائرة، التي يتم تعريفها على أنها “مقاتلة أرض – جو بدون طيار” وليس طائرة بدون طيار تقليدية.

4/ في مجال الطائرات بدون طيار على وجه الخصوص يبدو أن أنقرة نجحت في إثبات حضور لا يمكن تجاهله، فقد كانت إحدى القوى القليلة التي نجحت في كسر هيمنة الولايات المتحدة على السماء في زمان الدرونز القاتلة.

مصدر الأناضول رويترز الجزيرة نت
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.