كيف سيخرج الشعب من عنق الزجاجة؟

بقلم: د. سماح هدايا

من الخطأ اعتبار ما يحصل في الواقع السوري يخص فئة بعينها أوجزءا من الكل؛ لأنّ الحاصل يشمل الشعب السوري جميعه من مؤيدي نظام الأسد، ومن الثائرين عليه. من معارضيه ومن مهادنيه. الموضوع مرتبط بمستقبل الجميع. لا يخص فئة أو جماعة. هو صراع بين أطراف مختلفة في معترك مشروعٍ تحرري نهضوي محرّكه التغيير لبناء الذات والهوية…والمشروع لم يكتمل بل هو في مسار النمو والتطوّر والتأسيس. يرافقه تفكيك نوعي حاد.
عندما نصغي للصوت في مقولات الأطياف الاجتماعية المتشابهة والمختلفة والمتناقضة والمتقاتلة؛ نجد أن الضجيج شديد والغائب عن الحضور في صوت الجميع هو الهوية المتكاملة الجامعة. ولو تعمقنا أكثر لاكتشفنا ضحالة مافي الباطن المحرك للأفعال؛ فالواضح أن العموم ينقصه التعريف بنفسه خارج إطار العصبوية والوهم والأنانية والنرجسية. لذلك تتقاذف الشعب أمواج الضياع والفوضى.
الجهل وقصور المعرفة بالذات والآخر والأمة هو المكوّن الأول لغياب الهوية. وعنه ينتج الفساد والقهر والولاءات الدنيا والتبعيات؛ فذلك تركيب معقّد في مناخ الفوضى. والمولّد الأساسي للمشاكل هو غياب الهوية. الجهل بالهوية هو جهل معرفي ووجداني وأخلاقي وسياسي ، وينجم عنه حرب شرسة إفنائية للآخر بسبب غياب المفاهيم السامية التي تجمع الناس وتوحّدهم وتحقٌّق مصالحهم ومنفعتهم.
الإنسان الذي يملك هوية يحظى بحد أدنى من الاحترام لنفسه، مقدار من العزة والكبرياء. وهو غير الإنسان الفاقد للهوية الذي يمارس التبجّح والتغطرس والتباهي كمكونات لصفات الإنسان المقهور ورديفا للإحساس الضمني الذي ينطوي على تحقير الذات والاتضاع والصغار والذلة والخزي والذي يظهر للعلن بين حين وحين بتحقير الهوية التقليدية الدينية والقومية والتراثية والأخلاقيّة بديلا للنقد والتفكير الموضوعي والتحليل المنهجي.
ولعل من أقرب الامثلة تجسيدا للضياع هو “المهاجرون من سوريا “؛ فلا تلعب الظروف الشديدة وحدها الدور الأساسي في هجرتهم إنما فقدان المرجعية والإحساس بالعجز والعبثية والفراغ والتيه والهرب من حالة الفوضى ومستحقات التغيير وأثمانه في غياب اليقين والثقة بالهدف. وهؤلاء قد يصبحون جزءا من مشروع الانسلاخ. ضياع الهوية أحد أسباب مشكلتهم. الهوية ليست فقط عرقا أو مذهبا وإنما هي مكونات الذات وروح الجماعة والأمّة…وهي شيء متطوّر للإجابة والبحث في إشكاليات: من أنت كإنسان؟ ماهي ذاتك؟ ماهي قيمك وفكرك؟ ما هو موقفك من الحياة ورؤيتك للوجود؟ ما مصيرك السياسي؟
الهوية لدى السوريين ولدى العرب بمختلف مذاهبهم وأعراقهم غير واضحة. الصراع بين قطبي: التّزّمت الديني والاجتماعي والعرقي والتعصّب. ونقيضه: الانفتاح حتى الانفلات والاستهتار هما مظهر الجهل بالهوية الحقيقية التي تخلق الاتزان والتوازن وتحتوي الاختلافات والمتناقضات؛ فليس هناك حد أدنى من المعرفة والتشارك لذلك تجلت ثورة التغيير بهذا التطرف ودخل الجميع في مقاتلة الآخر؛ فليس هناك هوية. لو كان هناك هوية واضحة المعالم، لاستطاع الشعب بناء ثورته بالتدريج ومنذ زمن…ولما حصل هذا الصراع الحاد الذي تفاعل فيه كل واحد وكل جماعة وكل جهة مع الأحداث بشكل انفعالي عصبي وعصبوي وشخصي وصل حد الكره والقتل والإجرام وكبت الأنفاس وقطع الرؤوس وهدّ المدن والكيانات. افتقاد الشعب لمرجعية وطنيّة قيميّة ولنظام سياسي منتج لهوية وطنية عادلة مقبولة يشكّل مشكلات حقيقية وواقعية، تظهر بشكل جلي في الطائفية والعرقيّة والشلليّة والمناطقية والفساد ومزيد من الاستئثار والقهر.
الموضوع لا يقتصر على سوريا. هو موضوع عربي فهناك أزمة في الفكر العربي وفي الأنظمة السياسية العربية الطاغية والمستبدة التي تسهم في الشرذمة وفي تفكيك الهوية. حتما هناك اختلافات وخلافات لكن الاشياء التي تجمع العرب كثيرة وأكثر بكثر من الاختلافات…والمثقفون الذين يتصدّون لتمثيل الهوية بعيدون عن الجوامع، قريبون جدا من حالة التحاصص السياسي والفكري. يتناسون عناصر اللغة والواقع والعيش المشترك والمستقبل الواحد، بالإضافة إلى الدين، وهي من الجوامع الأساسية ليبحثوا عن شيء وهمي تنظيري خارج الواقع ينسخون هويات الأمم الأخرة وتجاربها…
كل شخص يعتبر نفسه محتكرا للحقيقة، هو غبي وجاهل…فكل إنسان يجب أن يستمع للآخرين ولا يحتكر الحقيقة. الفكر الذي ينتشر بقطع الرؤوس سرعان ما ينهار ..أما عندما يكون الإنسان قويا واثقا من خطواته؛ فإنه سيقدّم نموذج قيادة يحتذى به. والمرحلة التاريخية إعادة تشكيل أمّة وهوية ومصير. واستراتيجية بناء الهوية والأمة هو الحل. وربما بدأت الظروف تتهيّا لبلورة رؤية في بناء الهوية خصوصا بعد انهيار الأنظمة السياسية الشمولية المستبدة التي حاربت الحريات وفككت الهوية إلى هويّات.
د. سماح هدايا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.