كيف تمّ تقسيم سوريا إلى أجزاء؟

من الواضح أنّ السوري بات يشعر الآن أنّ بلده لا يتسع له ولمخالفيه وهم كُثُر، فكيف سيقبل الحلول الجاهزة من الخارج؟

الأيام السورية؛ سما السيد

ربما أصبح من الصّعب الحديث عن سوريا موحدة ومستقلة بعد سنيّن الثورة السبع التي مزّقت الأرض وأصحابها إلى أشلاء.

“الشعب السوري واحد” هكذ كانت الصيحات الأولى ومطلع الهتافات في المظاهرات الشعبية التي خرجت في البلاد مع بداية الثورة عام 2011م؛ ولا أحد يعلم هل فيما إن كانت تلك الصرخات نابعة من خوف حقيقي على وحدة هذا الشعب الممتزج من مشارب عدة؟ أم كانت ناتجة عن معرفة حقيقية بحجم الاختلاف ذاك بين كل شريحة مع وحدة أهدافهم فيما بينهم.

ظهر الحرص جلياً على الوحدة في بداية الثورة، ورغم معرفة الثائرين بتلك الاختلافات إلّا أنهم لم يألوا جهداً في التأكيد على أواصر الترابط ووحدة الشعب والأرض والمصير في كل مناسبة، ولكن مع الوقت وكثرة الأيدي التي امتدت إلى الساحة السورية؛ بدأت الهوّة بين أفراد النسيج السوري بالتوسع يوماً بعد يوم، وأصبح الاختلاف خلافاً يكبر أكثر فأكثر ككرة الثلج المتدحرجة من شاهق.

لعبةٌ قذرة كان نظام الأسد يراهن عليها؛ كي يظهر بمظهر الحلقة الوحيدة القادرة على احتواء سوريا أرضاً وشعباً بمختلف مكوناتها؛ وأنّ شرط استدامتها مرهونة ببقائه على رأس السلطة، رغم استفادته من هذه الاختلافات بتسليم أقليات مناصب وأماكن مهمّة في الدولة على حساب أكثريّة مسحوقة!

قد يبدو من غير المفهوم للبعض سبب تركيز النظام على البعد الطائفي وجهوده الحثيثة لإبراز هذا البعد في كل فرصة متاحة، ولكن بالنظر قليلاً إلى نتائج عمليات النظام نجد أنّ الهدف من ذلك هو: إلصاق التهم الطائفية بالثورة وحاملي رسالتها، وتقديم نموذج للعالم عن شكل “سوريا مشتتة” في عهد الثورة إذا ما سمح لها العالم بالانتصار. وهنا أقول “سمح لها العالم” عن وعي تام بمعنى هذه الكلمات، لقد كشفت جميع الدول الفاعلة في المنطقة عن سياستها في استنزاف مقدرات البلد وزجّ الشباب المتحمس في ما تسميه “حربها على الإرهاب” وقد نجحوا في تحويل ثورة شعب إلى فصائل وفرق مختلفة فيما بينها وفقاً لمعتقدات كلّ منّها.

أدت الخلافات فيما بعد لبتشكيل أيديولوجيات متحاربة فيما بينها وفصائل متناحرة سهّلت القضاء عليها بنفسها بقتالها فيما بينها وتقوية المشروع الناشئ غرباً وزراعته في بلدٍ خصب التربة تعمّه الفوضى.

بالعودة إلى أحداث وتطورات الوضع في سوريا، نرى أنّ الدول الكبرى والفاعلة في المنطقة قد استغلت الثورة السورية لتحقيق مصالحها على الأرض أيضاً، إذ أنها أيدت بدء الثورة منذ أيامها الأولى؛ الولايات المتحدة ودول أوروبا جميعها أعلنوا معارضتها لنظام الأسد وصرّحوا بأنّه نظام مجرم غير شرعي عليه أن يرحل وأن أيامه باتت “معدودة” حسب ما أوردت لكلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة وغيرها من السياسيين.

ولكن ما إن اشتد عود الثورة وسيطر رجالاتها على مساحات واسعة من البلد حتى بدأت مباغتتها بأساليب متنوعة، سحبت يدها بداية من الساحة مفسحة المجال لروسيا وإيران باللعب والتحكم في مصير الشعب والمنطقة برمّتها لتحقيق مصالحهما، ملايين السوريين تُركوا حينها يواجهون مصيرهم تحت نيران الطائرات الروسية ونظام الأسد، وملايين أخرى قبعوا تحت الطائرات بدعوى محاربة الإرهاب وغيرهم هُجروا ونزحوا خارج مناطقهم في تغيير ديمغرافي واضح وصريح. وفي طريق هذه الدول لتحقيق مصالحها تفتت الخارطة السورية بين جزءٍ للنظام؛ يحقق مصالح حليفتيه روسيا وإيران، وجزء للأكراد؛ يحقق مصالح الولايات المتحدة، وجزء لتنظيم الدولة يضمن استمرار اشتعال فتيل الحرب بين كرّ وفرّ، والجزء الأصغر للثوار يتناقص شيئاً فشيئاً ويضمن لهم تمثيلاً سطحياً لمطالبهم الأولى.

ويتوارد للأذهان أن ما الذي سيوحّد هذا الفتات في ظلّ انتشار السلاح وتفشي الكراهية بين أفراد الشعب الواحد؟

الحلّ السياسي كان الأمل الوحيد للحفاظ على خارطة سورية موحدة لكن دولاً كبرى قامت بتعطيله مرّات عدة في المؤتمرات الدولية، وتلاعبٍ بألفاظ براقة وخطواتٍ دقيقة ومحكمة، ولذلك يبدو أي محاولة لتوحيد البلاد بعد كل ما حدث فيها سيكون محاولة لتمكين طرف على الآخر، لا محاولة لمساواة جميع الأطراف وإيجاد حلٍّ فيما بينهم كشعب واحد.

قد تكون الدول الكبرى سعت جاهدة لتقسيم البلد لأجزاء متناحرة خدمةً لمصالحها، وساهمت في تعميق هوة الخلافات في بلد ممتزج بطبيعته إلى أنواع مختلفة من الفرق والنِحل، لكنّ الشعب السوري الذي شكّل ألواناً مختلفة متناسقة فيما بينه على مدّ التاريخ لا بدّ له يوماً أن يستعيد وحدته وحريته ولو بعد حين إن توقف الغرب وروسيا وإيران عن دعم الطوائف المتناحرة لتقصي بعضها البعض وتتوزع على مناطق جغرافية بحسب الدين أو العرق.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.