كيف تحوّل نهر الفرات من مجرى للماء العذب إلى ورقة ضغط آسنة في التفاوض السياسي؟

بات تدفق المياه مرتبطاً بمشاريع كبرى في تركيا، بلد المنشأ، والوضع في سوريا بلد الممر، والعراق بلد المصب، كما أن حجم التدفق والتزام الاتفاقين، أصبحا خاضعين لمقايضات وصراعات واللحظات السياسية بين الأطراف الثلاثة.

83
قسم الأخبار

ترتبط مسألة الغذاء ارتباطاً وثيقاً بكمية المياه المتوافرة، وتعتبر ذات أهمية حيوية. وعندما تخفت أصوات البنادق وطبول الحرب في المنطقة سيطغى الصراع على المياه في حوضي الفرات ودجلة، حيث سيكتسب النزاع السوري – التركي – العراقي حول مياه نهري دجلة والفرات بعداً دولياً، وقد تتحول المياه إلى سلاح رغم أن احتمال مواجهة عسكرية هي شبه معدومة، ويصبح خزان سد أتاتورك العظيم في تركيا سلاحاً بيد الحكومة للضغط على كل من سوريا والعراق.

ليس لسوريا والعراق حق في نهر ينبع من تركيا

في 6/5/1990، قال سليمان ديميريل رئيس وزراء تركيا الأسبق: “إن لتركيا حق السيادة على مواردها المائية، ولا ينبغي أن تخلق السدود التي تبنيها على دجلة والفرات أية مشكلة دولية، ويجب أن يدرك الجميع أن لا نهر الفرات، ولا نهر دجلة من الأنهار الدولية، فهما من الأنهار التركية حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركي، فالنهر لا يمكن اعتباره نهراً دولياً إلاّ إذا كان يشكل الحدود بين دولتين أو أكثر، ولكل دولة حقها الطبيعي في استغلال مواردها المائية كما تشاء، وليس لأية دولة أخرى الحق في الاعتراض على ذلك”. وقال ديميريل في مناسبة أخرى: “ليس لسوريا أو العراق أي حق في المياه التي تنبع من تركيا، وأن حكومته غير مستعدة لتقديم أية ضمانات مستقبلية فيما يتعلق بكميات المياه التي ستتركها لسوريا والعراق من نهري دجلة والفرات “!!.

النفط مقابل المياه

في 6/5/1991، قال توركت أوزال رئيس الجمهورية التركية الأسبق: “إن لم يصدر العرق النفط عبر الأراضي التركية فإنه لن يكون هناك ماء للعراق” ، كما قال عند زيارته للعراق بعد عام من ذلك : ” إن النقص الملاحظ في المياه التي تصل العراق عبر سوريا مشكلة يجب على العراق تسويتها مع سوريا”.

المتاجرة بالمياه

عام 1992 قال حكمت تشتين، وزير الخارجية التركية الأسبق، عند زيارته لإسرائيل: “إن تركيا تمتلك ثروة مائية على جانب كبير من الأهمية وإن من حقها بيع هذه الثروة لمن تريد وحجبها عن الدول التي تعرض مصالح تركيا للخطر، وأن من حق تركيا المتاجرة بالمياه مثلما يتاجر الآخرون بالنفط ويحتكرون عائداته… وأن تركيا على استعداد لتزويد إسرائيل بأية كمية تحتاج إليها من المياه دون أن تعبأ بمعارضة الدول المستفيدة من مصادر المياه التركية، لذلك يجوز لها التصرف بهذه المصادر على وفق مصالحها”.

نهر الفرات يتحول إلى بركة آسنة(روسيا اليوم)

نظام الأسد وورقة المياه

عقدت سلسلة من الاجتماعات لتعبئة خزانات سدود: (كيبان والأسد والحبانية)، بين تركيا والعراق وسوريا، كما جرى تبادل للمعلومات المائية في الاجتماعين الثالث والرابع في أنقرة عام 1972، وتم الاتفاق في الدورة الخامسة للمفوضات في عام 1983 باعتماد نتائج دراسة اللجنة الفنية الثلاثية من حيث القياسات المائية وتعبئة الخزانات. وبناءً على وساطة لجنة البنك الدولي ووفق اتفاق اللجان الفنية المشتركة في عام 1975، قسمت حاجات البلدان الثلاثة بنسبة الثلث لكل منها على متوسط الوارد السنوي، لكن بروتوكول عام 1987 المعقود بين سوريا وتركيا منحها 50 في المائة من واردات النهر الوسطية السنوية لتعبئة خزان سد أتاتورك لغاية نهاية عام 1993 حتى ملء سد أتاتورك، ثم تعود حصة تركيا إلى نسبة الثلث.

المياه والتفاوض

كان ملف المياه في نهري الفرات ودجلة الدوليين، أحد القضايا العالقة ثنائياً أو ثلاثياً بين سوريا والعراق وتركيا. وساد اعتقاد أن دمشق عززت، في تلك الفترة علاقتها مع «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان، لأسباب عدة، أحدها إمساك ورقة تفاوضية أساسية ضد أنقرة، التي كانت تستخدم «ورقة المياه».

عليه، بات تدفق المياه مرتبطاً بمشاريع كبرى في تركيا، بلد المنشأ، والوضع في سوريا بلد الممر، والعراق بلد المصب، كما أن حجم التدفق والتزام الاتفاقين، أصبحا خاضعين لمقايضات وصراعات واللحظات السياسية بين الأطراف الثلاثة.

وفي أوقات التقارب الودي، كانت أنقرة تبلغ دمشق، بالطرق الدبلوماسية بخططها إزاء ملء سدودها، أو إصلاحها، في جنوب شرقي تركيا، كي تُتخذ إجراءات من الحكومة السورية التي قامت بدورها بإنشاء ثلاثة سدود ضخمة على الفرات لتخزين المياه وتوليد الكهرباء، هي: سد تشرين، سد الطبقة، سد البعث، بعد حين صار الاتفاق المؤقت حقيقة عندما وقّعت سوريا وتركيا في سبتمبر (أيلول) 1992 اتفاقاً للتعاون الأمني تمنع سوريا بمقتضاه أنشطة الانفصاليين من كرد تركيا في سوريا ولبنان، وملاحقة القوات التركية حزب العمل الكردستاني داخل سوريا، وارتبط تنفيذ الفقرة المائية من البروتوكول بالتزام سوريا بالبرتوكول الأمني.

مصدر رويترز الشرق الأوسط وكالات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.