كيف تتحد أمريكا مع تركيا بدون خسارة أكراد سوريا؟

من صحيفة ناشيونال بوست اخترنا لكم تقريراً نشرته الصحيفة يتحدث عن مشكلة تركيا الأساسية مع وحدات حماية الشعب الكردية pkk المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، كما يتحدث التقرير عن مساندة أميركا لوحدات حماية الشعب الكردية، لنتابع معاً ما أورده التقرير:

نظم الجيش التركي هجمات برية في سوريا بإرسال قواته ودبابات؛ لدعم المعارضة السورية لدفع تنظيم الدولة الإسلامية داعش خارج حدود بلدة جرابلس، ومنع القوات الكردية من الحصول على أي مكاسب جديدة على الأراضي السورية، فيما ترحب أمريكا بما تقوم به تركيا من جهودات لوقف داعش ولكن ليس على حساب علاقاتها مع حلفائها الأكراد في سوريا؛ فعلى الولايات المتحده الأمريكية الموازنة بين مساعدتها للأكراد ورغبتها في أن تستمر تركيا في صراعها ضد داعش، فإن فشلت أمريكا في تحقيق هذا التوازن ستجازف بخسارة المكاسب التي حققتها في حربها ضد داعش في سوريا وبعلاقتها أيضًا بكل من حليفتيها الأكراد وتركيا.

وبما أن أعداء أمريكا المتطرفين يستخدمون حدود تركيا للتنقل من وإلي سوريا بسهولة؛ فمن الطبيعي أن تحافظ أمريكا علي تركيا كحليف مهم لها في حربها ضد داعش لمنع حدوث ذلك؛ فهل ستكتفي تركيا بفرض سيطرتها على جزء محدود في سوريا؟ أم ستتجه لاستغلال صراعها ضد داعش وتحاول هزيمة الأكراد حليفة الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا؟، وذلك لأن هناك العديد من التقارير التي تثبت قصف تركيا للعديد من مواقع الأكراد في جنوب جرابلس؛ لذا تحتاج أمريكا أن توضح لتركيا أن تدخلها في سوريا لابد أن يكون محدودًا، وأن تحترم مصالح الأكراد في سوريا كجزء مهم في اتفاقيتهم مع أمريكا.

فقد اعتمدت أمريكا مسبقًا في صراعها مع داعش في سوريا على وحدات حماية الشعب الكردي، وتعرف بالاختصار YPG، والتي لم تكن الاختيار الأول لأمريكا؛ حيث فضلت أن تعتمد أولاً على الجيش السوري الحر، وهو عبارة عن تحالف بين قوات عربية مدعومة أيضًا من تركيا، غير أن فكرة قوات الجيش السوري الحر الممزقة بسبب الصراعات الداخلية، لم تكن فعّالة، بالإضافة إلى أنها في فترة ما كانت تضم بعض العناصر المتطرفة، وفي نفس الوقت كانت تركيا مترددة في اتخاذ خطوة نشر قوات برية في سوريا، فعندما لم تجد أمريكا بديلاً عنها؛ اتجهت للأكراد كحليف لها في صراعها مع داعش.

أثبت الأكراد جدارتهم كحلفاء لأمريكا منذ عامين، فقاوموا داعش دون هوادة – منذ أن بدأت أمريكا في إطلاق الغارات الجوية أول مرة في سوريا لوقف الميليشيات الإسلامية – بالاستحواذ على المدينة الكردية، عين العرب؛ فساعدت المساندة الأمريكية الجوية وتسليحهم وتدريباتهم لوحدات حماية الشعب الكردية في نجاح الأكراد ضد داعش، ولكن الأكراد هم مَن قاتلوا وماتوا في سبيل تدمير حصون قوات داعش، وبسبب هذه العمليات توسعت حدود سيطرة وحدات حماية الشعب الكردي أكثر في شمال سوريا، فأصبح لديهم منطقة كردية يحكمها الأكراد بنفسهم تمتد حتى 250 ميل من حدود سوريا، وبالتالي ترى تركيا هذه التوسعات كخطر على سيادتها في الأراضي السورية.

تكمن مشكلة تركيا الأساسية مع وحدات حماية الشعب أنها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، والذي يعرف بـPKK، وهو مجموعة من القوات التركية الكردية التي حاربت تركيا من أجل استقلالها بالحكم التركي منذ عام 1984، وتضم قائمة الإرهاب التي وضعتها أمريكا على الـPKK فقط وليس وحدات حماية الشعب الكردية، فبالتالي لا تجد أمريكا أدنى مشكلة من إتمام تحالفها مع الأكراد السوريين، فيما تجاهلت أمريكا اعتراضات تركيا بصدد الميليشيات الكردية في سوريا، وهي جماعة علمانية بما أنها ليس لها تأثير فعّال على الميليشيات الإسلامية، مع العلم أن قرار تركيا المتأخر في إرسال قواتها لسوريا ما هو إلا محاولة منها لإنهاء التحالف الكردي مع أمريكا.

طالب جوزيف بايدن، نائب رئيس الولايات المتحدة، أثناء زيارته لأنقرة يوم الأربعاء، وحدات التحالف الشعبي التركية بسحب قواتها لغرب نهر الفرات تلبيةً لمطالب تركيا، وهو ما خيب آمال المحاربين الأكراد الملتزمين بهزيمة الجهاديين، فكان من الحكمة أن لا يتخطى الأكراد مطالب أمريكا لأنهم لا يملكون أي خيارات أخرى، فلن يستطيعوا انتزاع أي مناطق جديدة من داعش إلا بالمساعدات الأمريكية.

يخشى الكثير من الأكراد خيانة أمريكا لهم وعلى أمريكا أن تثبت عكس ذلك، فبدلاً من أن تهتم أمريكا بالعلاقات العسكرية فقط مع وحدات الحماية الشعبية الكردية، والتي هي أساس العلاقة القائمة بينهم، لابد وأن تحرص الولايات المتحدة الأمريكية على بناء تحالف سياسي أقوى مع الأكراد السوريين، وتطالب أمريكا الأكراد في سوريا بالتقيد بحدودها الحالية بما يتماشى مع حقوق الأكراد العرقية والحكم الذاتي في سوريا.

ولتحقق أمريكا هذا التوازن، لابد أن تبدأ بخطوات واقعية لتساعدها للوصول إلى هدفها، وبما أن المنطقة التي يحكمها الأكراد السوريين بنفسهم تقع تحت حصار فعلي من جيرانها، فمن الممكن أن تنسق مع حكومة الأكراد في سوريا للعمل سويًا للتخطيط وجمع الأموال لإعادة بناء المنطقة، بالإضافة إلى المساعدات الاقتصادية والطبية، وتدفع أيضًا مسعود برزاني، القائد الكردي العراقي، صاحب خلافات عديدة مع وحدات الحماية الشعبية التركية وذراعها الأيمن، حزب الاتحاد الديمقراطي والمعروفة بـPYD، لإعادة فتح الحدود السورية الإيرانية مرة أخرى.

وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تشجع الإدارة الكردية أيضًا على احترام المعارضة السياسية؛ لأنهم اعتادوا ألا يستمعوا إلى آراء أخرى، بما أنهم محاطين دائمًا بالأعداء وبدون أي حليف سياسي جدير بثقتهم، فمثلاً في وقت سابق من هذا الشهر، قامت الإدارة المحلية للأكراد السوريين باحتجاز الناشط السياسي إبراهيم بيرو، معارض كردي سوري لسياسات إدارة الحكم الذاتي دون محاكمة، وأهدرت أمريكا الكثير من الوقت والموارد في تعزيز القوة العسكرية لوحدات الحماية الشعبية الكردية فهي تحتاج أن تهتم بالجانب السياسي للأشياء بنفس القدر من الاهتمام.

وفي النهاية، الطريقة الوحيدة لمنع حدوث أي صراع بين تركيا والقوات الكردية في سوريا؛ لابد من إصلاح المشكلة الأساسية بينهم؛ ألا وهي الصراع بين PKK والدولة التركية داخل تركيا، حيث فشلت اتفاقية وقف إطلاق النيران منذ عامين في يونيو 2015 والقتال مستمر بينهم، وعلى الرغم من هجوم تركيا على المدن الكردية لاستردادها مرة أخرى من ميليشيات الـPKK ومؤيديها، وهو ما أدى إلى تدمير الكثير من المناطق الحضارية فيها وأسفر عن قتل العديد، لم تظهر الـPKK أي من مظاهر الضعف، هذا وقد نتج عن تفجير عربية مفخخة يوم الجمعة، قرب المدينة التركية الكردية، جزيرة ابن عمر، مقتل 11 فردًا من الشرطة وما يقرب من مئة جريح.

اذا وقد أوضحت تركيا – خصوصًا بعد فشل الانقلاب العسكري علي الرئيس رجب طيب أردوغان الشهر الماضي – رفضها لإتمام أي تصالح مع الـPKK، ولكن من الممكن أن يتغير موقف تركيا؛ حيث تتفاوض الحكومة التركية مع عبد الله أوسلان، قائد الـPKK، الموجود حاليًا بسجون تركيا، فهي تحتاج أن تبدأ مرة أخرى من جديد.

تعتبر مساندة أمريكا لوحدات الحماية الشعبي الكردية في سوريا بمثابة اعتراف ضمني بأهمية دور الـPKK في المنطقة، ولن يساعد إهمال الصراع الداخلي التركي في الحفاظ على استقرار الوضع السوري، فعلى أمريكا أن تشجع تركيا على إنهاء العداء الكردي وأن تعيد المحاولة في مفاوضات عملية السلام مع الأكراد.

ترجمة: صحيفة التقرير

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.