كيف أثرت مواقف وأحداث العالمية على الوضع السوري؟

هل على المعارضة الاستفادة من الاستدارة المرحلية، التي تنتهجها الدول الفاعلة في المنطقة؟ وكيف يمكن لها الاستفادة من التقارب المصري التركي؟ وما يمكن البناء فيه، لجهة تخفيف الاحتكار الأخواني للثورة السورية؟

الأيام السورية؛عمار جلو

في الحقل السياسي لكل حدث تأثيره وتفسيره خارج خصوصيته أو إطاره الجغرافي، فتجاهل الرئيس الامريكي الأسبق “باراك أوباما” لتجاوز النظام السوري للخط الكيماوي الأحمر، قُرأ في موسكو على أنه تراجع أمريكي عن الزعامة العالمية، مما شجع الاتحاد الروسي على التدخل العسكري في جزيرة القرم ولاحقاً في سوريا. مما ساهم بإطلالة موسكو على الخريطة الدولية كقوة عظمى بعد زمن من الانحسار.
كذلك فعل الاتفاق النووي وإرهاصاته عام ٢٠١٥، إذ شُرّعت الأبواب لإيران ومليشياتها في المنطقة، فكانت النتيجة ربط أربع عواصم عربية بالقرار في طهران.

أحداث مباشرة وغير مباشرة لم تأخذ حقها من الاهتمام على الساحة السورية؛ ففي تصريح لا مناسبة له يعلن السفير الأمريكي في كازاخستان “وليم موزير” أننا: “نعتقد أن صيغة جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة هي أنسب عملية لحل هذا الصراع (السوري)، لذلك لا نريد أن نكون مراقبين في عملية أخرى الآن”. بهذا التصريح تم سحب التفويض الضمني لروسيا الساعية إلى حل يرضي مصالحها الضيقة ضمن مساري أستانا وسوتشي، اللذان لن تكون الولايات المتحدة الامريكية مراقِبة فيهما، حسب تصريح السفير موزير. وإذا كان التصريح المذكور واضح لجهة المناكفة الأمريكية الروسية القادمة مع إدارة بايدن؛ وسوريا إحدى حلقاتها، في ضوء التعنت الروسي ومحاولة فرض التفسير الروسي للقرار الأممي ٢٢٥٤ وتشعيبه بغية دفنه في مقبرتي أستانا وسوتشي. مستغلة تشرذم المعارضة السورية وانحياز المبعوث الأممي السابق إلى سوريا “ستيفان ديمستورا” للرؤية الروسية. إضافة للإحجام الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً عن أي فعل يوقف جرائم النظام وحلفائه بحق الشعب السوري.

تراجع القوات الروسية من الحدود الأوكرانية

حدث أخر يصب بالخانة السورية ولو بطريقة غير مباشرة، فقد شهدت الحدود الأوكرانية في الأسابيع الماضية، درجة من السخونة كادت تُشغل فتيل الحرب، بعد حشد الاتحاد الروسي لقطعات من جنوده وآلياته على الحدود الأوكرانية، دعماً للانفصاليين الموالين لها. وهو ما قابلته الحكومة الأوكرانية بحشود عسكرية واستنجاد سياسي بدول الناتو وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تُخيب أمل كييف هذه المرة، مما شكل عامل حسم تراجعت على إثره القوات الروسية المحتشدة هناك.

وهذا مؤشر مهم لجهة صدق الإدارة الامريكية بالدفاع عن حلفائها. وكذلك لجهة إعادة الاتحاد الروسي لمقعد العدو الأول للولايات المتحدة، حسب شعارات هذه الإدارة، وهو ما يمكن البناء عليه على الساحة السورية المقفلة بالمفاتيح الروسية.

تجميد الاتفاق السوداني الروسي

ما يعزز القناعة بهذا التوجه الأمريكي؛ قيام الحكومة السودانية بتجميد الاتفاق السوداني الروسي بإنشاء قاعدة بحرية روسية قرب مدينة بورسودان على البحر الأحمر، الاتفاق الذي عارضته جميع الدول المطلة على البحر الأحمر، والأهم معارضة الولايات المتحدة الأمريكية لأي وجود روسي في البحر الأحمر وهي المعارضة التي تأخذها الحكومة السودانية بالاعتبار، خاصة بعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب من قبل أمريكا والدعم الاقتصادي الناجز والمستقبلي للحكومة السودانية.

كيف نستفيد من النهج الأميركي الجديد

لذلك على المعارضة السورية الاستفادة من النهج الأمريكي الجديد، والسعي لإيجاد نقاط مشتركة مع الإدارة الأمريكية لتحجيم النفوذ الروسي السياسي والعسكري في سوريا.

قد يكون الانفتاح على الإدارة الذاتية خطوة مفيدة في هذا الاتجاه، لما يتضمنه من فوائد للأطراف الثلاثة، الإدارة الأمريكية والمعارضة السورية والجناح السوري في الإدارة الذاتية. فالجدية الأمريكية في حماية أوربا على حدودها الشرقية يستلزم أيضاً حمايتها على حدودها الجنوبية، التي تقع سوريا وليبيا في نطاقها. والوجود الروسي في كلا البلدين يقع في حساب أي إدارة تسعى لمواجهة التحديات الروسية والصينية، رغم الأولوية الأمريكية لتوجيه اهتماماتها إلى شرق آسيا، في ضوء مواجهة التحديات الصادرة عن الصين وروسيا.

لكن يبقى للشرق الأوسط أهميته كأحد ساحات هذا الصراع لا سيما مع تصاعد العلاقات الاستراتيجية التي تربط روسيا والصين كلاً على حدى مع إيران، والتي قد تؤدي لتحالف يجمع الدول الثلاث وهو ما ينسف نظرية بطريرك السياسة الأمريكية ومهندس علاقتها مع الصين هنري كيسنجر، الذي طور سياسة تؤدي إلى إبعاد الدب الروسي عن التنين الصيني خلال فترة الحرب الباردة، وما زال معمول بها حتى الآن.

عودة أقوى للاتفاق النووي

إبعاد إيران عن هاتين الدولتين يُفيد السياسة الأمريكية في هذا الجانب، وهو ما تراه الإدارة الأمريكية مسبب إضافي من مسببات العودة للاتفاق النووي الإيراني، بعد انسحاب إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب من هذا الاتفاق. والذي تسعى الإدارة الحالية لإحيائه، ضمن صيغة أكثر قوة وشمولية حسب تصريحاتها. إذ اقتصر الاتفاق الموقع عام ٢٠١٥ على البرنامج النووي الإيراني. وتم ترحيل ملفي الصواريخ والسلوك الإيرانيين لإدارة ديمقراطية لم يكتب لها الفوز بانتخابات عام ٢٠١٦، التي حملت إدارة نسفت الاتفاق المذكور دون وضع خطة مدروسة لمجابهة النفوذ الإيراني في المنطقة، رغم انتهاج سياسة الضغوط القصوى التي اقتصرت على الشق الاقتصادي، دون وجود موازٍ لها على الجانب الميداني.

فشل إدارة ترامب بمواجهة النفوذ الإيراني

يرجع ذلك برأيي لافتقار الولايات المتحدة الأمريكية للشركاء المحليين في مواجهة دولة تنهج سياسة الحرب بالوكالة. لذا يبدو مرجحاً ما أُشيع عن رفض الإدارة الذاتية للطلب الأمريكي، القاضي بمواجهة المليشيات الإيرانية في مناطقها. مما شكل أحد أسباب التخلي الأمريكي عن الشريك الكردي لحساب الشريك التركي في عملية نبع السلام.

الاستفادة من الاستدارة المرحلية

وهذا ما يجب قراءته من قبل المعارضة السورية التي فشلت سابقاً في ركوب قطار محاربة داعش. وأن تبني سياساتها على توافقات مع فاعلين دوليين تتقاطع مصالحهم مع مصالحها، فإن كان الاتفاق النووي وإحيائه لا قبيل لها للتأثير فيه، ويحتاج دول لهذا التأثير وهي موجودة.

وما على المعارضة إلا إدراج جراحها النازفة من السلوك الإيراني في المنطقة في ملفات هذه الدول، أو بناء تحالفات مع هذه الدول فيما يخص السلوك الإيراني المزعزع في المنطقة، وهو ملعب واسع لهذه التوافقات. كذلك على المعارضة الاستفادة من الاستدارة المرحلية، التي تنتهجها الدول الفاعلة في المنطقة سواء لجانب التقارب المصري التركي، وما يمكن البناء فيه، لجهة تخفيف الاحتكار الإخواني للثورة السورية، أو لجهة المصالحة الخليجية التي كانت لها ظلالها على الثورة السورية، من ناحية تباين الرؤيتين السعودية والقطرية فيها، أو لجهة الأجواء الإيجابية المولودة من بوادر حوار سعودي إيراني. إذ أن الجرح السوري ما كان ليتسع إلى هذا الحد لولا خلافات هذه الدول.

إن أسوأ الدول تلك التي تقع على ساحتها تصفية الحسابات الدولية. ولكن بعد تحول سوريا إلى ساحة تصفية هذه الحسابات بدماء سورية لمصالح خارجية، فالأولى تثّمين هذه الدماء وتوفيرها للمصلحة الوطنية. فقط ضمن شراكات مع دول تتقاطع مصالحها مع المصلحة السورية الساعية لتخليص دولتها من براثن الأسد.

المزيد للكاتب
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.