كورونا على قدم واحدة في سوريا!

59
بقلم: كمال شاهين

أثارت إجراءات الحكومة السورية التدريجية التي هدفت الى وقف حركة اﻷسواق والمؤسسات وغيرها من المصالح العامة والخاصة، مخاوفاً صريحة من انتقال الناس من مرحلة العيش اليومي إلى مرحلة الجوع المحقّق في غياب أية بدائل اقتصادية؛ نقرأ معاً..

مع إعلان وزارة الصحة عن أول إصابة بفيروس covid-19، انتهى أول فصل في تهكم السوريين على الوزارة، والحكومة معها، بشأن إخفاء وجود إصابات في البلاد أو انتشارها التي لا يُعلن عنها ﻷسباب “قومية عليا”. ولكن وعلى الفور انطلقت جولة جديدة من السخرية طالت الوزارة نفسها بعد إعلانها عن “تماثل الشخص المصاب إلى الشفاء” بعد أقل من بضع ساعات على نشر الخبر الأول.

كانت البلاد قد دخلت تدريجياً في الحجر الصحي منذ مطلع آذار/مارس، وقبل إقفال خطوط الطيران مع العالم، حيث استقبلت في آخر رحلة 140 شخصاً قادمين من طهران على متن شركة “أجنحة الشام”، حُوّلوا جميعاً إلى الحجر الصحي في مركز الدوير القريب من دمشق.

وأتاحت صور ملتقطة ومنشورة من داخل هذا المركز تفجير أول فضيحة بشأن إجراءات الحكومة للتخفيف من انتشار الوباء العالمي. فقد أوضحت تلك الصور أن لا شيء من مقوّمات الحجر الصحي متوفر في ذلك المركز، بسبب الازدحام في الغرفة الواحدة واضطرار أفراد محتمل إصابتهم لاستخدام اﻷدوات نفسها. ولاحقاً استدركت وزارة الصحة ونقلت الأشخاص المحتجزين إلى فندق مطار دمشق الدولي حيث تم اﻹفراج عن بعضهم بعد التأكد من عدم إصابتهم بالمرض.

في الوقت نفسه، تزامن خبر إعلان اﻹصابة اﻷولى وتماثلها للشفاء مع جملة قرارات حكومية، بدا في بعضها تعجّل واضح ﻹقفال الشارع من مرتاديه. وهؤلاء، حتى ساعة فرض حظر تجوال جزئي في 24 آذار/مارس، كانوا على ثقة بأن ما يحصل مجرّد “مسرحية” لا أحد يعرف مخرجها بالضبط، ولو أن ممثليها هم كل دول العالم، وقد أوضحت صور الاكتظاظ الملتقطة في سوق الحميدية الشهير في العاصمة، أن العالم في واد والسوريون في واد آخر، وأن أحداً لا يأخذ بأي جدية ما ينقله العالم من مشاهد.

بعد مماطلة ولأي، أعلنت وزارة الصحة السورية عن وجود إصابة بالكورونا، ولكنها وبعد بضع ساعات، أعلنت عن تماثل الشخص المصاب إلى الشفاء.. فانطلقت جولة جديدة من السخرية منها.

هل تكذب الحكومة بشأن الكورونا؟

كانت التعليقات السورية في الشارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي عن “تماثل الحالة للشفاء” تحمل من السخرية المرّة ما يجعل السوريين مبدعين في تحدي ثقافة التغييب والنكران التي طبعت تاريخ علاقتهم مع منظومة الحكم، بمقدار ما تتيحه المساحة الافتراضية ضمن ممكنها السوري. يعلّق أحد الأشخاص أن احتفالات تجري في مقر منظمة الصحة العالمية بعد إعلان اكتشاف أول حالة إصابة في سوريا، ويعلق مخرج معروف “أن السوريين كائنات فضائية”، تلحقه صبية فتطلب من الحكومة المسارعة إلى إنجاز وثائقي عن كيفية تماثل أول إصابة للشفاء في غضون ثلاث ساعات مضيفةً: “خلّي أمة الله تستفيد، يكفي تخبئة لهذه المكنونات”.

تتطور التعليقات بتطور الوضع في الشارع، وتذهب إلى حيث يكمن الوجع الحقيقي ﻷناس عايشوا الحرب طوال سنوات دون أن يفقدوا حسهم العالي بأن ما يجري أمامهم يؤكّد صوابية أحكامهم المبنية على الحدس كما على العقل في كثير منها. أحد أقوى الردود كان: “تبدي الصين استعدادها لشراء وزارة الصحة السورية بمبلغ خمسين مليار دولار، والدفع نقدي”. وفي تأكيد على “الكذب الذي لم يعد خافياً على أحد” كما يقول أحد المعلّقين، أو “على اﻷقل لتنتظر وزارة الصحة حتى الوقت نفسه غداً واضحكوا علينا”.

يغلب تيار السخرية السوداء على تيار آخر يجادل مؤكداً غياب وجود الوباء في البلاد. لكن السخرية وحدها لا تكفي في زمن “الكورونا”. فمع وجود مئات الواصلين من الجوار، ومن طهران، إلى مطار دمشق وإلى المعابر الحدودية، المراقب منها والخارج عن السيطرة الحكومية (مناطق الشمال والشمال الغربي)، بدا احتمال وجود الفيروس بديهياً. إلا أن أطباء سوريون معروفون انبروا يؤكدون – إن لم يكن نفي وجود المرض واستفحاله – الثقة بقدرة المنظومة الطبية السورية على احتواء الوباء في حال تقيّد الجمهور بتعليمات الحكومة التي تصاعدت حتى وصلت إلى فرض حظر تجول ليلي بدءاً من 24 آذار/مارس وحتى إشعار آخر.

بالمقابل، فإن محافظة النجف العراقية أعلنت عن تسجيل 13 إصابة بالكورونا فيها، منها اثنتين كانتا في سوريا. وكذلك قامت سلطات مطار الشارقة في 18 آذار / مارس الجاري بتأخير اذن خروج ركاب طائرة قادمة من دمشق، لخمس ساعات بعد وصولها، بسبب وجود ما قيل إنه سبع إصابات تمّ الكشف عنها.

تكاثرت الشائعات، وكانت أهم وأخطر مروية شعبية هي الحديث عن أن مشفى اﻷطفال في اللاذقية أخفى وفاة خمسة عشر طفلاً دفعة واحدة بالكورونا. وهو ما نفاه مدير الهيئة العامة لمشفى التوليد والأطفال باللاذقية..

الحجر الصحي بين الضرورة والجوع

أثارت إجراءات الحكومة التدريجية التي هدفت الى وقف حركة اﻷسواق والمؤسسات وغيرها من المصالح العامة والخاصة، مخاوفاً صريحة من انتقال الناس من مرحلة العيش اليومي إلى مرحلة الجوع المحقق في غياب أية بدائل اقتصادية.

تكاثرت الشائعات، وكانت أهمها وأخطرها هي الحديث عن أن مشفى اﻷطفال في اللاذقية أخفى وفاة خمسة عشر طفلاً دفعة واحدة بالكورونا. وهو ما نفاه مدير الهيئة العامة لمشفى التوليد والأطفال باللاذقية.

ووسطَ نسيان أو تجاهل حكومي لضرورة ضبط اﻷسواق قبل إصدار أي قرارات بالحجر الصحي أو فرض حظر التجول، ارتفعت أسعار المواد الغذائية اليومية بنسبة لا تقل عن 30 في المئة بما يخص المواد الغذائية المنتجة محلياً كالبندورة والبيض.. وبالمثل، فإن المواد التي توقف استيرادها، وباتت مستندة إلى ما هو متوافر في السوق المحلية قفزت أسعارها بنسبة 50 في المئة على اﻷقل. وشمل ذلك جميع المعلبات الغذائية، والسكر واﻷرز وحتى البرغل المحلي اﻹنتاج. إلا أن أكثر ما ارتفع كان أسعار المعقمات والمنظفات والمواد الكحولية المعقّمة، وبعض منها كاد أن يختفي من الأسواق مثل الكمامات، على الرغم من قيام الحكومة بتشغيل معمل خاص ﻹنتاجها وتوزيعها في اﻷسواق بأسعار زهيدة. إلا أن سعرها واصل الارتفاع في بورصة الفساد، فوصل سعر القطعة الواحدة من النوع الرديء (وهو دون أية فائدة طبية)، إلى 300 ليرة (0.3 دولار) في حين حلقت الكمامة الطبية ذات المعايير القياسية إلى سقف 3000 ليرة (3 دولار).

وبرأي كثيرين، فإن الحجر الصحي ثم حظر التجول، حتى يأخذ فاعلية حقيقية، فإن على الحكومة تأمين الغذاء لكثير من الذين تعطلوا عن أعمالهم ولم يعد لديهم قدرة على شراء المواد الغذائية والصحية. وهذا لم يحدث حتى اﻵن، مما تسبب في انطلاق حملات أهلية تسعى لتأمين سلال غذائية للشريحة اﻷكثر فقراً، ومنها حملة الهلال اﻷحمر السوري.

النظام الصحي السوري في المرتبة الثانية

يصنف النظام الصحي السوري الحالي في المرتبة الثانية من أصل خمس مراتب، تشير الخامسة الى النظام الأكثر جاهزية. ويعني هذا أن هناك قدرة محدودة أو أقل من متوسطة في الاستجابة للأخطار الكبيرة، وذلك وفقاً للتقرير السنوي للوائح الصحية الدولية International Health Regulations Annual Report 2019.

ويستطيع الحجر الصحي الطوعي أو اﻹجباري التخفيف من احتمال تدفق عدد كبير من اﻹصابات إلى المشافي التي تبقى قدرتها على تأمين أجهزة تنفس وأوكسجين للمرضى محدودة،وهذا حتى في اكثر الانظمة تقدماً. ويعلّق بعض السوريين على خفة تعامل بعضهم الآخر مع الموضوع بغير اهتمام ولا قناعة بالقول: “إن وزارة الصحة صرّحت أن حلول اﻷرض انتهت، وبقيت حلول المخابرات الجوية”.

ماذا عن كشف الفيروس سورياً؟

علاقة السوريين مع المنظومة الصحية في بلادهم ليست ممتازة، ولكنها في حدها اﻷدنى ما زالت ضمن المكتسبات التي نالها الناس من أيام “المد الاشتراكي” (أياً يكن اﻵن موقفنا من الفكرة نفسها). فالاستشفاء في سوريا في غالبه مجاني، وهو ما استمر مع ظهور الكورونا.

علاقة السوريين مع المنظومة الصحية في بلادهم ليست ممتازة، ولكنها في حدها اﻷدنى ما زالت ضمن المكتسبات التي نالها الناس من أيام المد الاشتراكي. فالاستشفاء في سوريا في غالبه مجاني، وهو ما استمر مع ظهور الكورونا.

منظمة الصحة العالمية قدمت لدمشق أجهزة خاصة لكشف اﻹصابة بالفيروس. وقد تم تجهيز مخبر الوزارة المركزي (مخبر الصحة العامة) باﻷدوات الكافية للكشف عن اﻹصابة في غضون خمس ساعات، وهو أجرى عدداً من الكشوفات والاختبارات قدرت بمئتي حالة كانت كلها سلبية (غير مصابة)، وهو ما استندت إليه السلطات للقول بأن سوريا خالية من اﻹصابات، حتى في المناطق التي تقع خارج سيطرة الحكومة المركزية، ومنها إدلب، التي نقلت مديرية صحتها (يديرها اﻹئتلاف التابع لتركيا) أنه لم تسجل أية إصابات.. على الرغم من أنباء متواترة نقلت وجود إصابات تعرّضت لها قوات الاحتلال التركي أثناء جولات لها في تلك المناطق.

“خلو” البلاد من اﻹصابات وفق وزارة الصحة لم يمنع من تقييم الخطر في سوريا على إنه “مرتفع جداً” بسبب تفشي الوباء في شرق البحر المتوسط وانتشاره السريع في كل من العراق وإيران، وبدرجة أقل لبنان حيث يقيم أكثر من مليون لاجئ سوري، إضافة إلى المهجرين داخلياً والمقدر عددهم حالياً بقرابة 4 مليون يعيشون وسط ظروف غير صحية وغير إنسانية في الغالب.

في انتظار القادم: “محكومون باﻷمل”

يعدد السوريون المصائب التي نزلت عليهم منذ مطلع العام الحالي، من ارتفاع اﻷسعار الجنوني و”سَلْحبة -التسلل وفق اللهجة – الشو أسمو” (الدولار، وهو اليوم فوق 1150 ليرة) وصولاً إلى الكورونا. ويعلّق سوريون آخرون إن المشهد في الشهور القادمة سيكون هبوط الفضائيين في شهر نيسان/أبريل في حين ستظهر الديناصورات في أيار/مايو.

لا يبدو الوضع في الداخل السوري حتى اﻵن خطيراً، إلا أن انفلات اﻷمور الذي تعمل الحكومة على محاصرته بدأب شديد استحقّ شكرها من قبل قطاع عريض من السوريين على الرغم من كل تهكمهم تجاهها منذ زمن بعيد. إلا أنها استنفرت كل طواقمها لتفادي الوقوع في كارثة لا تحمد عقباها. وآخر ما عمدت إليه تأمين سيارات جوالة ﻹيصال الخبز إلى الأهالي أمام دورهم، وهو ما دخل موضع التنفيذ مع إصدار قرار منع تنقل المواطنين بين مراكز المحافظات والأرياف في جميع اﻷوقات لغير المصرّح لهم، اعتباراً من يوم اﻷحد 29-3-2020 وحتى إشعار آخر.


كمال شاهين، باحث وكاتب من سوريا.

مصدر المقال منشور في موقع السفير العربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.