كنّا معًا

حينما يتذكر الشاعر سلام حلوم، تغريبة الفلسطيني متداخلة مع تغريبة السوري
أتذكر/ حين باستك أمي من جبينك/ عندما قلت لها: “أنتم بلا أرض ونحن بلا وطن”
أتذكر/ حين صاح جدي المقعدُ فوق حصيرة القشّ: “كلّنا في الهوا سوا “/ “الريح إن هبت تملأ كلّ ثقوب الأبواب “

بقلم: سلام حلوم*

كان حزينًا أكثرَ منّي
صديقي الفلسطيني
حين خالستُه بقرصةٍ من قفا ساقه، كما بأيّام الجامعة؛ ليراني
وراءه في صفّ اللاجئين الجدد
أمام كوّة لحجز الباخرة نحو أثينا
ألقى برأسه على كتفي وبكى
وأعرف، لا بحس الغرباء فحسب
بل إن لهذا الدمع، كما للأرض، رائحةً وكلامًا يقف في الزّور كإبرٍ من جمر
والعبارات التي عطّلها الإجهاش
سأكتبها الآن :

أأنتم؟
أتذكر كلَّ خميس
بالتناوب بين المخيمَين في حلب
“حندرات” و “النيرب ”
كيف كنّا نجهّز، مثلما، لجنازة فدائيّ قادم
لعرسٍ أو لحفلة أو لأمسيّة أو لتوزيع جريدة؟

أأنتم؟
أما كنتم شهودا؟
على أنّه لا فلسطيني، بحلب، شحاذ
ولا فلسطينية عاهر، في بيوت دعارتها
ورفعتم أصواتكم عاليا في الحارات
في الكليات، في المؤتمرات السرية
في ملتقى الأدباء الشباب، في رسائلكم إلى غيمةٍ لا تغيب فوق البحر المتوسط
وفي آذارَ الذي لم يزد عن الثلاثين؛ إلا ليعطي يوما للأرض، هتفتم معنا :
ناري “بإديّ ”
و”من سجن عكا ”
و”بالأحمر كفّنّاه ”

أأنتم؟
أتذكر
حين باستك أمي من جبينك
عندما قلت لها: “أنتم بلا أرض
ونحن بلا وطن”
لما شكت لك: “إنهم وضعونا، هنا
هنا، في البراري التي لا تطيقها حتى الحيايا
تحت صفيح لا يرحم جلدنا
المتعوّد على لمسة الزيتون
ولا يرحم خدودَنا
التي لانت تحت شمس سوريّا التي يحكون عنها؛ أنها الشمس التي لا تزعج حتى رماد التنانير
وعادت و”باستك ”
حين قلت لها :
يا خالة !
خلِكم هنا
فكلّما اقترب المخيّم بعدت فلسطين

أانتم؟
أتذكر؟
حين صاح جدي المقعدُ فوق حصيرة القشّ:
” كلّنا في الهوا سوا ”
“الريح إن هبت تملأ كلّ ثقوب الأبواب ”


*عبد السلام حلوم، شاعر سوري، من مدينة سراقب بريف إدلب، يحمل إجازة في اللغة العربية وآدابها، أصدر خمس مجموعات شعرية سابقة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.