كنز الجارة العجوز

محطات من التغريبة الشامية(12)

كيف لأحد أن يتجرأ ويرفع صوت المذياع ولا يخلو الحي من الشهداء؟ كيف له أن يستمع إلى الأغاني والموت محيط بنا دائما، وآذاننا تحولت لرادار يرصد أصوات القصف والطيران فقط؟

الأيام السورية؛ نور الشامي

جحيم هو حيث كنا، أضحت الغوطة الشرقية مثالا مصغرا عن جهنم، طعامنا كالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، لا قيمة غذائية فيه ولا طعم لذيذ، تحولت الوجبات الثلاثة إلى وجبة واحدة، وبعدها إلى تناوب بين أفراد العائلة، حمم تتساقط علينا من كل حدب وصوب، تخلف بعدها دمارا هائلا في الأبنية والنفوس البشرية، قلة مياه وعتمة تلف المكان.

استمر الجوع دونما كلل يقتات من عافيتنا وأجسادنا، أصبحت لدينا حالات سوء تغذية شديدة بين الأطفال وكبار السن أودت بحياة البعض منهم.

بيت الجارة العجوز

في ذلك المساء وبعد أن قرأت رسالة جارتنا المسنة وطلبت مني الذهاب إلى بيتها، استصعبت الأمر بداية كيف لي أن أدخل منزلها وهي غير موجودة، حدثت زوجي بذلك وافق ودخل البيت أمامي، البرد يغطي المكان، خُيّل إلي أنها تجلس على الكنبة تتحدث مع أحفادها الذين رأيتهم في الصور، كل زاوية في هذا المنزل قصة تعب وسنين طويلة، نظرت إلى الطاولة وجدت مصنفا، فتحته لأرى محتواه فإذا هي الأوراق الثبوتية للمنزل وكل ما تملكه، ونسخ عن صور الهويات لها ولأولادها أدركت أنها خافت أن تأخذها ويحدث شيء سيئ وتضيع هذه الأوراق وتضيع معها حقوق أولادها؟ شعرت أنها مسؤولية كبيرة علي، قررت أخذ المصنف إلى أمي تخبئه عندها.

دخلت الغرف، كل شيء فيها مرتب هادئ، على الطاولة كأس فيه بقايا البابونج، أظنها كانت تشرب آخر كأس من القهر والظلم تختم به فصلا كبيرا من الجوع والوحدة وتستقبل به طريق الرضوخ للنظام في سبيل رؤية ابنها، فالهدنة في برزة والقابون قائمة على قدم وساق، يتم تجهيز الحواجز المشتركة، دخلت قوافل الطعام والأغذية إلى (برزة والقابون) وكأن الحياة ستعود طبيعية، المفاوضات قائمة هناك على رفات أبطالها الذين قضوا دونها والدمار شاهد على كل ذلك.

تفاصيل الكنز في المطبخ

دخلت المطبخ تفاجأت مما رأيت وناديت لزوجي، اعتقد أن فأرا ظهر أمامي فهو معتاد على هذه النداءات، أتى مسرعا ليتفاجأ مثلي، شعرت وكأنني حصلت على كنز المغارة، هناك مطربان من المكدوس، والزيتون الأسود والأخضر، زعتر، سكر وشاي وكان كل الفرح بالسكر فقد تجاوز سعره الخمسة آلاف في حين كان يباع في دمشق بأقل من مئة ليرة، هناك علبة من الزهورات الشامية، وأشياء أخرى تفيدنا بعد أن كنا قضينا الثلاثة أيام الأخيرة بلا أي خبز، كنا نأكل عند المساء بضع حبات معدودات من الزيتون. مثلنا كمثل غالبية الغوطة.

عشاء فاخر

شعرت بجوع شديد فجأة، أريد أن آكل، عصافير بطني التي اعتدت أصواتها ازدادت جوعا الآن، لكن لا خبز لدينا ولا حتى أوراق ملفوف التي أضحت بديلا للخبز، خطر لي أن أبحث في رفوف المطبخ العلوية، مع كل رف مفاجأة جديدة، بعض العدس وبرغل والحمص قلت لنفسي كم أن بيوت المسنين فيها بركة، ليس بالشيء الكثير لكنه جيد ليمر الأسبوع القادم دون جوع.

وأخيرا وجدت الطحين، طحين أبيض، الذي كدنا ننسى طعمه بعد ما أصبح طحيننا أسود، جهزت العجين بسرعة وأعددت عشاء فاخرا جدا مع شاي محلى بسكر حقيقي، وكأنه يوم من الخيال.

مقايضة الممتلكات بالطعام

أثناء الطعام يخبرني زوجي عن جارنا صاحب دكان الألبان ـ الذي كنت أحسبه سابقا الغني الوحيد في الغوطة ـ قال لي زوجي أنه اليوم باع محله وهو آخر شي يملكه حتى يتسنى له إحضار الطعام لعائلته، تكررت مثل هذه القصص بشكل كبير، سمعنا عن بيع المصاغ الذهبية مقابل بضعة أرطال من الأرز أو البرغل، أحدهم قايض سيارته الحديثة من أجل السكر، وآخر باع منزله وانتقل إلى بيت فارغ سافر أصحابه خارجا ليتيح لنفسه فرصة في النجاة قبل أن يفتك به الموت جوعا.

مواجهة الموت على الجانبين

بينما نحن نتجاذب أطراف الحديث وإذ بصوت أغانٍ شعبية رديئة المستوى، استغربت كثيرا كيف لأحد أن يتجرأ ويرفع صوت المذياع ولا يخلو الحي من الشهداء؟ كيف له أن يستمع إلى الأغاني والموت محيط بنا دائما وآذاننا تحولت لرادار يرصد أصوات القصف والطيران فقط، فضولي اللامتناهي جعلني انظر من الشرفة رأيت أنه باص ينتظر وبداخله نساء و رجال، ظننت أنهم سيغادرون الغوطة، نظرت إلى الساعة إنها تقارب الحادية عشرة، سألت زوجي ما الخبر؟ قال إنهم ذاهبون للعمل على حدود معبر الوافدين حسبما سمع من أحد الرجال، يقفون عند شريطه الشائك يتفاوضون مع العساكر المتواجدين هناك على شراء الأغذية بأسعار معينة، ويعودون بها إلينا يبيعونها بأسعار باهظة جدا، فقد لاحظت مؤخرا انتشار لبعض المواد الغذائية على أطراف الطرقات لكنني كنت أجهل مصدرها.

غادر الباص مع صوته المزعج وبت أفكر في منزل جارتنا ماذا يخبئ لي أيضا؟ والناس العاملون على أطراف المدينة الذين يعرضون حياتهم للخطر جاعلين من هذه المغامرة سبيل لكسب الأموال، وطريق لتأمين الغذاء لكن بكلف عالية جدا، وضعتهم الحياة بين رحى الجوع من جهة وبين المخاطرة بحياتهم في سبيل الغذاء من جهة أخرى، يواجهون الموت بكلتا الحالتين.

المزيد للكاتبة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.