كره الذات وإنسانية الكون.. أين المذنّب؟!

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قبل أعوام، هلّل البشر في الشرق الأوسط على نحو خاص، في وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل الفكاهة، عن رغبتهم في تحقيق النبوءة العلمية التي تمّ نشرها، دون فهم علمي لتفاصيلها، حيث تقول: بأن مذنّباً سيرتطم بالأرض. حالة الهرج والفرح المكبوت لدى الناس وتناقلهم لتلك الإشاعة، وسيطرة الفكاهة التي وصلت إلى حد الجنون في التعبير العميق اتجاه ذلك الخبر فاق كل عقلانية محتملة يمكن أن يُوصف بها الإنسان.

قد يبدو التعبير عن ذلك الفرح لدى الناس، بمن فيهم أنا بشكل شخصي، أنه انتشر كصورة مناقضة لحالة اكتئاب جمعي، سببتها الحروب، وفقدان الإحساس بالحياة، وانتشار الموت. لكن الموضوع ليس مرتبط بهذا الشعور الآني فقط.

بعيداً عن السياسة وآلياتها، العصر الحضاري المتطور الذي نحياه اليوم، يفرض على البشر نمطاً تسامحياً كونياً لا يجب الخروج عنه. إننا نعيش في حالة من الإلزام الأخلاقي التي تفترض على التفكير البشري رؤية مختلفة في الابتعاد عن مشاعر الكره والتعصّب والتخندق الأيديولوجي.

قبل نصف قرن كان بإمكان أي إنسان أن يعبّر بدقة عن رغباته وأفكاره الكارهة، محمياً بإطار من مفاهيم الانتماء والقومية والوطنية والدين، الأيديولوجيات بشكل عام. وتحميها أيضاً الحالة الجغرافية المنغلقة، مما تؤدي إلى تصاعد وتيرة الكره الشعبي بما يناسب سياسة الدولة التي تحكم دون وصول ذلك الخطاب الكريه إلى مستويات خارج الجغرافيا.

في ذلك التاريخ القريب كان الإنسان متأقلماً مع ذاته ومحيطه وحتى مع فكرة وجوده الفلسفي كذات فاعلة، ولو أنها عنصرية. في عالم اليوم، بكل الانفتاح التكنولوجي والعلمي والثقافي، لم يعد مقبولاً التعبير الشعبي في الكره. لقد شعر الإنسان بأنه يتساوى في مفهوم الضحية مع الجميع.

بمعنى، لم يكن الإنسان بمستواه الشعبي، يشعر بالكثير من السوء في الهولكوست، أو الإبادة الكمبودية، أو حتى الاجتياح الروسي للتشيك. ليس بسبب الانغلاق الجغرافي والمعلوماتي فقط، بل لتركّز المفاهيم القومية في الذات الشعبية بالدرجة الأولى.

لقد كانت إمكانية رفض الآخر والتعبير الصريح عن الكره متاحة بشكل مطلق، لكن في عالم اليوم ضمن مفاهيمه الحديثة “النيوليبرالية” لم يعد مسموحاً لأحد أن يكره الآخر، بعيداً عن الإحساس الشخصي، لكن هناك بالعام حالة تعاطف مع الجميع، نتيجة الفهم الشامل بأن الضحايا لسنا نحن فقط، بل الجميع.

اليوم يمكن أن نكره أمريكا أو إيران أو روسيا أو السعودية، لكن الناس بدأت تعي بأن الشعب الأمريكي لا يختلف عن أي شعب آخر في العالم، من حيث السوء الاقتصادي للحياة والعنصرية والتطرف بأجزاء كبيرة منه، وما الترويج الإعلامي عن العدالة ليس سوى لعبة سياسة. ذات الأمر ينطبق على قمع الشعب الإيراني بحكومة عنصرية ميتافيزيقية متخلّفة، أو الشعب الروسي الذي يعاني من العهر والجريمة مقارنة بأباطرة الثراء لقلائل الروس، أو حتى الحركة العلمانية والثقافة السعودية مقارنة بحكومة استبدادية.

إن الحضارة التي نعيشها اليوم بكل مفاهيمها الحداثية، تمارس علينا الانغلاق لتجعلنا نتكوّر بالمعنى الفئراني في المستوى الواقعي، وإشهارنا في المستوى الافتراضي، إنها عملية إفراغ البشر من محتواهم الذي ينتمون إليه.

هذا الفهم العام التعاطفي مع الشعوب في الوعي الشعبي البسيط، أضحى حقيقة بأننا جميعاً ضحايا مفاهيم حداثية وسياسات دولية.

لكن بمقابل هذه التسامحية الشعبية الكونية، أصبح هناك إحساس باللانتماء، وتصاعد وتيرة كره الذات بمعناها الإنساني. لم نعد نريد أن ننتمي إلى الإنسانية، دون أن ندرك بأننا لا نمتلك سوى خيار وحيد بأن ننتمي إلى هذه الإنسانية، شئنا أم أبينا.

لم تعد المسألة بأن شخصاً يكره اسمه أو عائلته فسعى قانونياً لتغييرها، أو رفض الأيديولوجيا الدينية، فعمل لتغيير ديانته، أو رفض دستور اجتماعي وسياسي فهاجر ليصبح مواطناً في بلد آخر أو لاجئ سياسي أو إنساني.

هذه الأفعال قبل نصف قرن كانت يمكن أن تجعل الإنسان بمستوى إحساسه قادراً على الاستمرار، لكن اليوم لم تعد المسألة تغيير شكل المُعطى، إننا نشعر بالعجز والفشل من المُسمى الإنساني حتى في أكثر المناطق استقراراً. إننا قد وصلنا إلى مستوى كرهنا للذات، عدم قدرتنا على تحمّل شيء. نريد أن نتخلص من مستوى هامشيتنا التي لا نعبّر عنها بعمق سوى بالعمل وبالجنس كصورة مورفينية لتهدئة الكره الذاتي. الرغبة بممارسة العزلة الاجتماعية بشكلها السلبي سوى ما نحافظ فيه على تشكيل بنيتنا الصغيرة أو ما نسميه الأسرة كإنجاز معرفي وأخلاقي، ومع ذلك تنضح هذه الانجازية البسيطة برغبة دفينة بمعاداة المجتمع كصورة تصهر الذات فيها، بعملية رفض الآخر من منحى رفض الذات.

إن الحضارة التي نعيشها اليوم بكل مفاهيمها الحداثية، تمارس علينا الانغلاق لتجعلنا نتكوّر بالمعنى الفئراني في المستوى الواقعي، وإشهارنا في المستوى الافتراضي، إنها عملية إفراغ البشر من محتواهم الذي ينتمون إليه وهو الإنسانية، وإطلاق الإلزام التسامحي للكون وتركيز التعصب والكره اتجاه الذات.

وما حالات التعصب الأيديولوجي التجمّعي كداعش والحركات الدينية والعنصرية، سوى نتاج لهذه العقلية القمعية للمفاهيم الحداثية تحت اسم التسامح الكوني.

إنّ التعبير عن الرغبة بالمُذنّب رغم فكاهيته، هو نتاج طبيعي لكل هذه الممارسات والأحاسيس الفئرانية التي نخضع لها. إننا اليوم نعيش أسوأ أنواع الحضارات الإنسانية قطعاً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.