كرة القدم وثقافة مناهضة المركزية والخضوع لها

الجميع يناهض المركز لكنه مستمتع بعمق في الخضوع الكروي له، وهذا الخضوع الرياضي قد يفسرّه البعض بالانتماء التاريخي منذ النشوء، لكن ما نتحدث عنه هو فكرة الانتماء التاريخي نفسه كحالة جمعيّة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج
علي الأعرج

في كرة القدم، شخصياً أنا مشجع أرجنتيني، لكن أتابع الاحتفاليات العامة لهذه اللعبة، ونظرية أنه لم يعد يوجد منتخبات كبيرة في كرة القدم، أصبحت مسألة أكثر وضوحاً في آخر عشرين عاماً، أصبحنا نرى منافسات لمنتخبات مثل كرواتيا، التشيك، أوكرانيا، النمسا، سويسرا.. الخ. بمعنى هي فرق تُعتبر في هذا المجال في مركز ثاني، لكن هناك بالمقابل منتخبات المركز الأول في اللعبة، وخاصة أوروبياً، كإنكلترا، ألمانيا، هولندا، إسبانياً، فرنسا، إيطاليا، البرتغال، السويد.. الخ؛ هنا نسير في موقع آخر كلياً، إننا نعيش تاريخ من المنافسات الدموية بشكل فعلي في الملاعب، إنها منتخبات كبيرة ولها حضور تاريخي لا يمكن نسيانه.

المعضلة بأنّ الذين يؤمنون بنظرية أنه لم يعد توجد منتخبات كبيرة في كرة القدم، هم أنفسهم بدأوا يمتعضون من النتائج الكارثية التي أصبحت عليها بطولة أمم أوروبا مؤخراً، فمثلاً هزيمة ألمانيا، البرتغال، هولندا، فرنسا، وآخرها السويد، وتفوق منتخبات مثل سويسرا، التشيك، أوكرانيا كأمثلة، أصبحت تؤثر في أناس يهاجمون بالعادة دول المركز السياسي والثقافي والسلطوي والاقتصادي، مثل فرنسا، ألمانيا، إنكلترا؛ لكنهم في كرة القدم لا يحتملون فكرة سقوط المركز وتفوّق الأطراف، هذا باعتبار أن دول مثل شرق أوروبا هي أطراف بالمعنى السياسي والاقتصادي الدولي.

نحن نناهض التفوّق المركزي والعنجهيّة الفاشية والعنصرية المتولدة أصلاً من قيم المركز ذاك تاريخياً، لكننا لا نقبل سقوطهم في الرياضة أو خروجهم.

عبّر أحدهم يوماً أثناء البطولة في مباراة فرنسا وسويسرا، متمنياً فوز الفرنسيين معلّقاً: “بطولة ما فيها فرق متل فرنسا، إيطاليا، البرتغال، ألمانيا.. ما لك قلب تشوفها. مين سويسرا؟”.

طبعاً لم يقصد بعبارة السؤال عن سويسرا، إهانة للشعب، بل عن تجربة سويسرا الرياضية تاريخياً. سويسرا كمثال هو منتخب يلعب لمتعة اللعبة وليس لهدف نهائي في الفوز رغم ما يحمله من قوة الحضور الرياضي والرغبة بالاستمرار، والسعي لتحقيق مكانة في هذه الرياضة مؤخراً.

هذا المثال يوضّح كلياً فكرة ما تفعله كرة القدم في تغيير الأيديولوجيا الثابتة لدى الأفراد، وهنا نتحدث عن جميع الأيديولوجيات الراسخة.. مثل المتدينين الذين يرفضون الغرب جملة وتفصيلاً لكنهم يحبون الفريق الفرنسي أو الألماني، أو العلمانيين الذين يعتبرون إنكلترا الميتربول السياسي لكنهم يقدسونها كروياً.

ربما هناك بعض الأيديولوجيات الرخوية التي تقاوم للحياة، قد تشجّع روسيا التي خرجت أصلاً من الدور الأول.

الجميع يناهض المركز لكنه مستمتع بعمق في الخضوع الكروي له، وهذا الخضوع الرياضي قد يفسرّه البعض بالانتماء التاريخي منذ النشوء، لكن ما نتحدث عنه هو فكرة الانتماء التاريخي نفسه كحالة جمعيّة.

إن أتينا الآن ب 7 مليار إنسان، بافتراض أنّ جميعهم يعشقون كرة القدم، فبكل تأكيد السبعة مليار سيتوزعون على 8 فرق عالمية من ناحية التشجيع، ستة أوروبية واثنتان لاتينيتان (الأرجنتين والبرازيل) بغض النظر عن تشجيع الفرق الوطنية والمحلية.

طبعاً الموضع قد يُبرر بانتماء تاريخي لكنه لا يُقاس هكذا أبداً، لأنه لو كان بالانتماء للتاريخ فالأحرى أن نشجّع الأوروغواي كفريق يحرز أولى البطولات العالمية والقارية، أو مثلاً أن يشجع الرياليون والبرشلونيون نادي اشبيلية كأقدم نادي إسباني.

الموضوع الانتمائي مرتبط بالمال والقوة السياسية والاقتصادية المؤثرة في عالم الاستهلاك الذي نعيش حالياً.

غريب أن نناهض هذا العالم من أجل عالم أفضل إنسانياً وفي المقابل نتمتّع بالخضوع له بطريقة غير مفهومة في أكثر مجال استبدادي للمفاهيم الحضارية خلف مسمى الرياضة، إنها عملية اندماج طوعي بالمركزية الكروية والثقافية والسياسية.

صورة تعبيرية (وكالة وطن)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.