كان بدي غيّر العالم مش عارف كيف العالم غيّرني.. مشروع ليلى وثقافة المناضل التاريخي

طبعاً فكرة تجاوز التجربة السورية كثورة لا تعني أبداً الموافقة على وجود النظم السياسة القائمة أو حتى الآتية، هذا لا يُلغي ذاك.. ففكرة إسقاط النظم السياسة لا دخل لها بثورة، إنها ثقافة طبيعية في الإنسان في انتمائه للحياة وفطرة التحرر.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

منذ فترة أخبرني أحد المعتقلين والذي أمضى سنوات طويلة في سجون الأسد قبل نحو 40 عاماً، أنه قرأ عبارة لإحدى بنات أصدقائه، كتبت فيها على صفحتها في السوشيال ميديا ما يلي: “كان بدي غيّر العالم مش عارف كيف العالم غيّرني”. طبعاً لم تضف الفتاة أي شيء آخر يدل على صاحب العبارة، لأنّ إدراكها للمسألة يقول بشكل عفوي: أنّ تلك العبارة هي من الشهرة أنه لا يمكن أن يوجد أحد لم يسمع بها أو لا يعرفها من جيلها.

في المقابل عندما كان ذلك المناضل يخبرني بالحادثة كان يبتسم بطريقة تدل على شيء من تهكّم، دون أن يعلم بأنّ العبارة هي مقتبسة أصلاً من أغنية لمشروع ليلى وليست ابتكار فردي من الفتاة، وربما لم يسمع أصلاً بمشروع ليلى.

بغض النظر حول العبارة إن كانت ذات قيمة أو أهمية أو تعبير ذاتي أو جمعي لحالة شعورية قد يشعرها شخص ما أو جماعة معينة، وبعيداً عن ضرورة استخدامها في صفحة شخصية أو نقل حسي من الذات للمجموع كتدليل لانهيار ثقافي وأمل بالتغيير الذي فشل، ما استوقفني في حديث المناضل ليس التهكّم من العبارة بحد ذاتها إنما قناعته بضرورة فشل التغيير الذي حلمت به تلك الفتاة، لأنّ قراءته للعبارة قائمة من منطق أنها ليست خطاب جمعي أو بيان سياسي يمكن أن يؤدي لتغيير اجتماعي وسلطوي شامل، إنما تعبير فنتازي ذاتي حالم.. تهكميته تكمن بالضبط في هذا المعنى الساخر من التغيير الذي يقوم على النزعة الفردية، إنه ما زال يعيش في مرحلة ضرورة التغيرات الشاملة إن كانت اجتماعية أو سياسية جمعية أو حتى فردية من خلال البيان العام، إنه لا يستطيع إدراك التغيير – حتى الذاتي – خارج هذه المعادلة بالتأثير الثقافي للمجموع على الفرد.

هو أيضاً قبل أربعين عاماً كان يمتلك القسم الأول من عبارة مشروع ليلى.. بمعنى كان بدي غيّر العالم دون أن يستوعب القسم الثاني، وخلال الأربعين عاماً اللاحقة لم يستوعب أصلاً أنّ العالم غيّره فعلاً دون أن يدرك.. غيّره بالتجاوز.

هو أيضاً قبل أربعين عاماً كان يمتلك القسم الأول من عبارة مشروع ليلى.. بمعنى “كان بدي غيّر العالم” دون أن يستوعب القسم الثاني، وخلال الأربعين عاماً اللاحقة لم يستوعب أصلاً أنّ العالم غيّره فعلاً دون أن يدرك.. غيّره بالتجاوز.

هذا الاختلاف بالقيمة بين محاولة التغيير قبل أربعين عاماً في الاندماج تحت لواء البيان السياسي وتشكيل العقل القطيعي بالثورة التاريخية والتي فشلت فشلاً ذريعاً، وبين الثورة الاجتماعية العاطفية التي اندرجت تحت لواء قيمة الفن والحلم الفنتازي الذاتي قبل عشر سنوات والذي كان يُعبّر عنه في كثير من الأحيان بأغاني النقد الاجتماعي وليست أغاني النقد السياسي المباشر.

طبعاً بالنسبة لعقل التاريخ الثوري وضرورة العمل السياسي الحقيقي وليست أحلام الشباب الذي يريد تهديم قيمة المجتمع (بحسب تعبير أحد وجوه السياسة المعارضة)، لا يدرك معضلة انهيار الفكرة الثورية بأنها هي اللحظة التي يتم فيها تجاوز التاريخ للذوات، بمعنى آخر، رافض عبارة مشروع ليلى لا يمكن أن ينظر لحقيقة تشكيله المعرفي والسياسي بأنّ تصنيمه الأخلاقي ومفهوم الثورة والسياسية وآلية التغيير على طريقته هي بحد ذاتها تجاوز مطلق، لقد تجاوزته حركة التاريخ المنادي بها.

التجاوز هو في جوهره التغيير الحقيقي، لذا فإنّ إحساس تلك الفتاة بأنها فشلت هو إدراك وتجاوز والسير جنباً إلى جنب كوعي إلى الحركة الاجتماعية الطبيعية وليست البقاء في كنف الماضي الذي انتهى.

تعبير الفتاة حتى وإن كان اقتباساً، هو حقيقة حسيّة عاطفية، صالحت فيها نفسها كصيغة فشل اجتماعي وحلم انهار فعلياً دون الوقوف على أطلاله، بل عبّرت عنه ببساطة وسهولة، مقارنة بالفشل التاريخي الصنمي للحركة السياسة السورية التي فشلت من أربعين عاماً ولم تعترف حتى اليوم بفشلها التاريخي.

الفرق الحقيقي بين جيلين ثوريين، هو أنّ الجيل الأحدث أدرك ضرورة التجاوز والسير في موكب الواقع القائم والتفاعل معه ونقده بعقلانية، بغض النظر عن مفاهيم النوستالجيا؛ التفاعل معه لإنتاج رؤية أكثر جدّة وقد تصل إلى معنى مختلف للمستقبل.

الفرق الحقيقي بين جيلين ثوريين، هو أنّ الجيل الأحدث أدرك ضرورة التجاوز والسير في موكب الواقع القائم والتفاعل معه ونقده بعقلانية، بغض النظر عن مفاهيم النوستالجيا؛ التفاعل معه لإنتاج رؤية أكثر جدّة وقد تصل إلى معنى مختلف للمستقبل.

وطبعاً نتحدث عن نسبة لا بأس بها ولا نتحدث عن الفئة التي ما زالت تعيش بنفس منطق المناضل التاريخي، أولئك الذين ما زالوا يتحدثون بالثورة السورية رغم إدراكهم لفشلها الرهيب، والذين بعد خمسين عاماً سيظلون يتحدثون عنها بنفس منطق ذلك المناضل الذي لا يريد تجاوز حقيقة الواقع.

وطبعاً فكرة تجاوز التجربة السورية كثورة لا تعني أبداً الموافقة على وجود النظم السياسة القائمة أو حتى الآتية، هذا لا يُلغي ذاك.. ففكرة إسقاط النظم السياسة لا دخل لها بثورة، إنها ثقافة طبيعية في الإنسان في انتمائه للحياة وفطرة التحرر.

كلنا كنا نريد تغيير العالم بس العالم غيّرنا.. والذي لم يتغيّر بالمعنى المجازي على الأقل في مستويات الوعي، فيجب أن ينتمي إلى جماعة هُبل للعبادة الأزلية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.