قوات اﻷسد ومعركة السراب في إدلب

دون كيشوت والطواحين، تلك حكاية يمكن إسقاطها على نظام اﻷسد في ترويجه لمعركة إدلب، لماذا؟

طبول الحرب التي تدق على أطراف إدلب ما تزال تعزف على وتر واحد، وورقة المساومات التي تلعبها كل اﻷطراف المعنية بالملف السوري، بما فيهم “أبو محمد الجوﻻني” متزعم هيئة تحرير الشام. الذي بدأت الكثير من التسريبات تشير إلى قبوله الضمني لحل الهيئة، ومواجهة قرار الرافضين لهذا الخيار.

موسكو تحاول الضغط على أنقرة والدول اﻷوروبية فيما يتعلق بتبني رؤيتها للحل السياسي، وإعادة اﻹعمار بعد الدفع باللاجئين للعودة، وتدرك الحكومة التركية تماماً أنّ المعركة ستعني استحقاقاً إنسانياً وواجباً شرعياً قبل كلِّ شيء، فيما يتعلق بملف اللاجئين الذي سيهدد باجتياح أراضيها في حال وقعت الحرب فعلاً.

ملف إدلب لم يحسم بين الطرف التركي والروسي، فاﻷول يفاوض ضمن إطارٍ ضعيف وضيق ﻻ يسمح له بالمراوغة، فيما تبدو أوراق الطرف الثاني موسكو ومعها طهران الحلقة اﻷقوى في عملية التفاوض.

«المسألة تهم، بالدرجة الأولى، سلطات سوريا الشرعية التي تملك كامل الحق في الدفاع عن سيادة البلاد وطرد الإرهابيين من جميع أراضيها للتخلص من خطر الإرهاب، وهذه هي المشكلة الأساسية في إدلب الآن «. بحسب تصريحات سيرغي ﻻفروف، وزير الخارجية الروسي.

تصريحات ﻻفروف، أعطت مؤشراتٍ واضحة قرأتها الحكومة التركية جيداً، إذ إنّ العمل العسكري باتجاه إدلب ﻹعادة بسط نفوذ اﻷسد عليها ستعني بالنسبة ﻷنقرة تهديداً لمناطق درع الفرات وغصن الزيتون.

ﻻفروف في تصريحاته كان واضحاً خلال مؤتمر السفراء في تركيا، حين أكد أنّ: ((جميع الفصائل العسكرية عدا مليشيات الأسد غير قانونية ويتوجب عليها مغادرة سوريا)).

التصريح السابق يعني بالنسبة لتركيا احتمالية إعادة الميليشيات اﻻنفصالية إلى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، ويفهم أيضاً أن في تصريحاته تلميحاً لذلك، على اﻷقل، استخدام الملف كورقة ضغط على أنقرة.

اﻻقتصاد التركي مهدد إذا ما نظرنا للعوامل التالية: تدفق ملايين اللاجئين نحو اﻷراضي التركية، تهديد اﻷمن القومي التركي عبر الميليشيات اﻻنفصالية الكوردية، في حال أخلّت موسكو بعلاقتها مع حكومة أنقرة؛ بالتالي؛ من مصلحة اﻷتراك العمل الدبلوماسي لمنع أي عمل عسكري يهدد مصالحها في إدلب.

المصلحة التركية متوافقة تماماً وإلى حدٍّ كبير مع تطلعات الشارع، وبعض الفصائل المعارضة ذات التوجه الوطني، وﻻ يخفى أنّ هيئة تحرير الشام تعيش صراعاً داخل صفوفها بين مؤيدٍ لفكرة حلها تجنيباً لوقوع مجزرةٍ بحق المدنيين وسداً للذريعة الروسية، وبين تيار الصقور الذي يسعى للقتال حتى الرمق اﻷخير، وهي رؤية تتفق مع بعض المجموعات الموجودة على اﻷرض والذين تمثلهم بقوة “تنظيم حراس الدين”.

موسكو ﻻ تزال تتأمل عبر الضخ اﻹعلامي والحرب النفسية أن تصل إلى شبه اتفاق مماثل لما حدث في محافظة درعا، وحين نتحدث عن شبه اتفاق فذلك يعني تماماً إدراك جميع اﻷطراف أنّ ملف المصالحة مرفوض تماماً لدى الشارع الثائر في إدلب، فضلاً عن مسألة مصير الأجانب؛ العقبة الكبرى في حال الرغبة بالوصول إلى حل.

مالم يوجد شمالٌ آخر تتجه إليه قوافل الفصائل والمجموعات المجاهدة اﻷجنبية والعربية، وضمانات واضحة للثوار؛ فإنّ الحرب ستأخذ وقتاً أطول، وستكون محرقةً فعلية لنظام الأسد تحديداً.

مصير اﻷجانب المنضمين للتيار الجهادي العامل في إدلب هي النقطة اﻷبرز بالنسبة للروس واﻷتراك، إذ إن بقاءهم سيشكل بؤرةً خطرة مستقبلاً، وينبغي معالجتها، وقبل حسم هذا الملف لن يوجد حل سياسي أو حتى عسكري.

تواجه موسكو مشكلة أخرى فضلاً عن مصير اﻷجانب، ومن بينهم مواطنين روس وشيشان، يتمثل بانعدام من يمثل رغبتها من خونة الترويج للمصالحة مع نظام اﻷسد، وفي حال وجودهم فقد تم تحجيمهم من طرف الفصائل الثورية في الشمال، ويبدو أنّ ذلك أتى بإيعازٍ تركي، حيث تزامنت الحملة بين هيئة تحرير الشام والتيارات المحسوبة على أنقرة في ذات الوقت.

موسكو تحاول الخروج بصيغة مختلفة عن مسار العملية التي طبقتها في درعا وريف حمص الشمالي، من خلال الضغط على أنقرة، لتضغط بدورها على الفصائل المحسوبة عليها، للقبول باﻻنخراط بعمل سياسي وحل ينسجم مع رؤيتها، بحجة تجنيب المدنيين ويلات الحرب.

تدرك روسيا أنها تواجه جماعاتٍ مدنية وعسكرية رفضت البقاء تحت سيطرة اﻷسد واختارت إدلب والشمال المحرر، ودخول قواتها أو قوات اﻷسد؛ سيعني أنها قوة احتلال؛ ما يعني بالتأكيد الغرق في وحل آخر، ومستنقع استهدافها المشروع، وضرب مصالحها، في حال وجدت.

الدول اﻷوروبية كما بات واضحاً غير معنية بالملف اﻹنساني السوري، أبعد ما تركز حوله هو مسألة السلاح الكيماوي، والخشية من استئثار الروس بالكعكة كاملةً، ودون شك الخوف من تدفق اللاجئين إلى أراضيهم.

ما يدور في أروقة مجلس اﻷمن من قلقٍ متزايد وهرطقةٍ واضحة من تلك الفقاعات والتصريحات التي تكشفت عن أنيابٍ تكشرت، تنم عن حقيقة العداء للثورة الشعبية السورية والتواطؤ الواضح مع نظام اﻷسد.

ﻻ يخفى على العالم أنّ ثمن الحرب والفاتورة مكلفة في إدلب، والجرأة تعني مقامرة صريحة، فهي تعني بالنسبة لميليشيا اﻷسد إنهائها بشكلٍ كامل، وما يشير ويؤكد إلى ضعفها (ميليشيا الأسد) هو استجرار النظام لبضع مئاتٍ من الذين استسلموا وصالحوا، كما أنّ وجود أمثال هؤﻻء غير كافٍ لقلب الطاولة على المعارضة، وتغيير قواعد اللعبة، إضافةً ﻹمكانية انشقاقهم وهروبهم كما حدث في اللاذقية وتمت تصفيتهم قبل أيام.

النقطة التي يجب التفطن لها في معركة إدلب، تتمثل بأنّ قوات اﻷسد طيلة السنوات الماضية ومؤخراً في درعا والجنوب السوري لم تخرج عن اعتبارها “حروباً سرابية” تشابه حرب دونكيشوت للطواحين في القصة المعروفة؛ ولوﻻ فضل الروس والخونة لم تكن لتتمكن من أن تطأ أرضاً خرجت منها.

الحرب في إدلب ستعني اختباراً حقيقياً لميليشيات اﻷسد، وانكسارها سيعني ترك الباب خلفها مفتوحاً على احتمالاتٍ كبيرة أولها إمكانية إعادة اﻹغارة على مناطق النظام مجدداً، وعودة اللعبة إلى الدائرة القديمة، وهذا ما تريد موسكو والنظام تجنبه.

الخطوة التي سيكون مصيرها محرقة بحق ميليشيات اﻷسد، لن تكون مجرد مقامرة، بل ستكون ذريعة للفصائل الوطنية واﻹسلامية الجهادية البدء بهجوم مضاد على مواقع النظام في حلب وحماة والساحل.

تواجه قوات اﻷسد ميدانياً عشرات اﻵلاف من الثوار، فضلاً عن المدنيين المستعدين لحمل السلاح خشية تكرار سيناريو درعا؛ حيث خرقت اﻷفرع اﻷمنية الاتفاق وساقت واعتقلت العشرات من الشباب إلى سجونها.

الثوار في الشمال السوري تبنوا قاعدة واضحة في القتال، وكأنها تمثل قول الشاعر:

ومن   لم   يمت   بالسيف   مات   بغيره   تعددت   الأسباب   والموت   واحد

مصدر arabic.rt
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.