قهوة جدي

خاص للأيام _ بقلم: طارق فارس

أوقات طويلة أقضيها يومياً بين أوراق الذاكرة في بيت جدي، والأحاديث المؤلمة عن النزوح والأحلام القتيلة ، يحادثني جدي عن التراث والعادات القديمة فهي نوعا ما يعبر بها الجولانيين عن صمودهم النفسي ورفضهم للاستقرار في دمشق التي تبعد “50” كم عن الجولان .

مسافة ساعة من الزمن تفصل بين الأرض والجسد ، صلة الوصل بينهما ،مجموعة من صور الأبيض والأسود ورائحة الهيل والبن المحروق ،فالقهوة المرة تحتل منزلة رفيعة لدى أهالي الجولان وهي من العادات والطقوس المقدسة لدى كبار السن ، ناهيك عن مراسم التحضير والتقديم التي لا يمكن تجاوزها عند الرجال.

أما جدتي فمازالت تنسج الأغطية الصوفية بيدها، رغم رفض أبنائها الذين يروا أن الاسواق مليئة باللحف والأغطية الحديثة لكن جدتي مقتنعة بأن الأغطية التي تباع في الأسواق لا تعطي ذات الدفء الذي يعطيه اللِّحَافُ المصنوع يدوياً ، كما أن المرأة التي لا تحيك على يدها فراش بيتها لا تصلح أن تكون ربة أسرة، كباقي نساء الجولان اللواتي يرفضن التمدن لكي لا ينسوا طبيعة الريف عند العودة الى الجولان ، هكذا يقضي النازحين حياتهم في دمشق ، رغم وسم “النازح” الذي رافقنا طوال حياتنا ،كمجموعة من البشر أقل شئناً من باقي المجتمع، كما عزز النظام هذه النظرة باعطائنا الكرت الأزرق أو “بطاقة نازح ” الذي يميزنا عن باقي الشعب .

كل صباح يحدثني جدي عن الجولان، بلادنا التي أتمنى أن أعود اليها، لم أراها من قبل، أشعر بأنني أعرف كل حجر وكل ساقية ماء هناك .

حدثني عن الأسر في سجون الاحتلال ، يتذكر أخاه المعتقل الذي يظن أنه على قيد الحياة إلى الآن ، يقول جدي : أُسر أخي “علي” في العشرين من عمره، أثناء مقاومتنا للصهاينة، تنقل في عدة سجون إسرائيلية قبل إن تنقطع أخباره، ربما تأقلم على حياة السجن أو انه لا يعلم أين باقي عائلته وزوجته التي لم يقضى معها وقت طويل، لا يعلم “علي” عن قدومنا إلى دمشق ربما لم يسمع بالنزوح الكبير لسكان الجولان، يروي لي جدي الأحداث بتفاصيلها الكثيرة، عينيه مليئة بالدموع كأنه يراها أمامه.

لم يخبرنا الجيش السوري الذي انسحب قبل أسبوع من دخول الصهاينة إلى الجولان ، ولم يترك لنا الصهاينة وقتاً لكي نجمع حاجاتنا وأرزاقنا، خرجنا على الأمل العودة السريعة، كانت بضع أيام فقط ، أتينا من الجولان إلى مدينة دوما مشياً على الاقدام .

ثم انتقلنا للعيش في جوبر ثم مساكن برزة حيث اُسست أسرتك ، و ها قد كبرتم ونحن ننتظر العودة .

تعود بي الصور إلى الغوطة الشرقية، لم تكن جدتي من توقظني ولم يكن صوت “مهباج القهوة ” ما يطربني، كنت أستيقظ على أصوات طائرة الميغ الروسية التي لا تفارق سماء المدينة طوال اليوم، أصبح الامر روتيني لجميع سكان المناطق المحررة في سوريا، أنها سنوات تمضي، مليئة بالقتل والدموع .

في بداية الثورة كان لصوت الرصاصة وقع كبير في داخلي، لكن الان تنفجر الضحكات مع صوت راجمة الصواريخ التي يضربنا بها الجيش، أصبح الأمر ممل، لم يتغير شيء ابدا ، الجيش ذاته والشعب ذاته .

الجيش الذي انسحب قبل أسبوع من دخول الصهاينة إلى الجولان، هو ذاته من يقصف الأهالي التي نزحت أيضا، الشعب المقاوم للاحتلال يصنف اليوم بعين النظام أنه المحتل .

يقول جدي : نعلم جيداً ان الجيش المنسحب كان جباناً وربما خاين ، لكن لم اتخيل يوماً اي يكون قاتل شعبه ،كما لم اتوقع يوماً انني انزح هذه المرة هاربنا من جيش بلادي الى مسافات طويلة و حدود مغلقة تبعدني عن الجولان .

ما يقوم به الجيش الآن، ليس إلا تنفيذً للمهمة الصهيونية التي لم تنتهي منذ عام “1967”

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.