قمري.. أسود

 * تقول أمٌ من داريا عن ابنها بعد أن رأت اسمه في قائمة الموتى تعذيباً: الحمد لله، لم يًعُودوا يَضرُبونه الآن. 

الأيام السورية| سلام أبو شالة

أكتبُ إليكَ

أتذكر ما خطته كلماتي إليك منذ أن كان عُمري 14 عاماً، ما زلتَ تحتفظ بهذه الوريقة الصغيرة مع أشيائك الخاصة في دُرج الخزانة.

كان لديّ منذ الصغر حزن المسافرين والغرباء إلى موانئ بعيدة لا مرافئ لها.. ربما هو حدس سابق بما يحصل الآن، لست أدري؟.

منذ يومين.. بعد خبرٍ مؤلم عنكَ من صديقتي في لبنان، قمت بالبحث في موقع “زمان الوصل” عن أسماء المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب في سجون “ابن الوحش”.

أفتح الموقع.. ولبرهةٍ أتردّد أن أكتب اسمك في الخانة المُخصصة لذلك، لكنني زفرتُ حسرة طويلة ثم تابعتُ الكتابة “ريف دمشق”، لم يفتح الموقع بسهولة بادئ الأمر بسبب الضغط عليه من كثرة الباحثين عن أسماء مُعتقليهم.

للحظةٍ.. تمنيتُ أن يكون الموقع مُغلقاً أو مُعطلاً.. لكنه أعطاني الاسم بعد الضغط على كلمة بحث.

تجمّدت الدموع في عينيّ، ظهر الاسم مع الكُنية واللقب أيضاً، تاريخ ومكان الاعتقال “بلودان” 25 تموز 2013  مع تاريخ الموت تحت التعذيب في 14 تشرين الأول 2015.

كنتُ قد قرأت منذ فترة وجيزة تقريراً لمنظمة ” العفو الدولية” مفادُه: أن أكثر من 13 ألف معتقل أعدموا شنقاً في سجن صيدنايا بين شهر أيلول 2011 وحتى شهر كانون الأول 2015 في سجون بشار الأسد.

ربطتُ ما قرأته بما علِمته اليوم عنك.. كنتُ أدرك بأن الناجين قلائل جداً من بين براثن هؤلاء الجلّادين القتلة، وبخاصةٍ بعد اعتقالٍ تجاوز 5 سنوات.. حيث فرص الحياة نادرة أمام كثرة الأمراض والأوبئة والجوع والشلل وفقدان الذاكرة؛ والموت جنوناً.. حيث يُسمّيه المعتقلون بكلمة “فَصَل عقله” كما حدث لأحد أقرباء زوجي الذي قضى “فصلاً” في اليوم الرابع لاعتقاله.

هذا الشاب يدعى “وسام” وقد رأت أمه صورته من ضمن آلاف صور”القيصر” المُسرّبة لآلاف المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب، لكنها.. مثلَ كلّ أمٍ قالت بلغة قلبها: هذا.. ليس ابني؛ برغم أن قلبها قد تعرّف عليه!.

أترك “اللابتوب” مفتوحاً على صوت فيروز يصدح.. “بكره إنتّ وجايي.. إنتَ وجاييّ يا حبيبي..” أخرج إلى الشُرفة بينما تلاحقني أولى كلماتي إليك، تتسمّر أمامي ثم تطير إلى الأعلى حتى تغيب في زُرقة الفضاء الرحبِ لمدينة بيزنسون..

عندما ترحل..

يمخرُ الشوق عُبَاب البحر

ويركبُ الحنينُ خيولَ السفر

فترحل الغيمة

وتُسافر الموجة

وينطفئ سراجُ القمر.

أكتبُ إليهِن

أود أن أكتب الآن هذه التنويحة للمرحومة فاطمة عيسى من بلدة مضايا التي عانت الحصار القاتل والموت البطيء من قبل نظام الأسد وحلفائه من حزب الله في الوحشية والإجرام، قالتها لي في عام 2008 عندما كنت أجمع هذه التناويح الشعبيّة في كتابٍ صدر بعد عام.. وقبل عامين من ميلاد الثورة:

وأنا لَبْكيّ ونَوِّح عَليهِن

وشِق التوب وِرداني عَليهِن

لاني حَيّةٍ.. لًسْعى عَليهِن

ولاني ريح.. لَدٍق البوَاب.

وكأنما كلمات هذه التنويحة التي تتحدث عن حسرة ذاتية عن غائب مات ولم تره أمه.. تحكي اليوم عن حزن السوريين الجمعي؛ وتتحدث عنّا اليوم.. بلسانِ آلاف الأمهات السوريّات اللاتي يترقبنَ أيّ خبرٍ عن أولادهن المعتقلين، ومن بينهم.. نساء وأطفال قد غابوا إلى الأبد في غياهب معتقلات الموت الأسدي.

أي حزن لهُنّ ولنا وأيّ ألم.. بعد أن بدأت تتسرب قوافل الأسماء بالظهور “موتى تحت التعذيب” ما أقسى هذه الجملة التي تختصر حياة إنسان أو طفل أو امرأة بعدّة حروفٍ وأرقام لمواطنين سوريين مضوا وفي عذاباتهم خيالٌ لوطنٍ جميل يعيشون فيه بكرامة كباقي بني البشر.

خيّم الحزن أيضاً على مدينة داريا التي استلمت 1000 اسم من شبابها قضوا في سجون الموت الأسدية.

تقول أمٌ من داريا عن ابنها بعد أن رأت اسمه في قائمة الموتى تعذيباً: الحمد لله، لم يًعُودوا يضربونه الآن. 

ما الذي يدفع الأم لتقول هذا عن فلذة كبدها وقد يكون وحيدها أيضاً.. تريد أن تراه عريساً وترى أحفادها لا أن تتمنى له الموت ليرتاح من التعذيب الذي يُفضي إلى المزيد من الموت؟!.

وفي سوريا.. المحرقة الأسدية، كم علينا أن ندفع من جديدٍ أرواحَ شبابنا، ونجترع آلاماً أخرى تحت خيام اللجوء.. وغرقاً في البحار؟.

عليكّ أيها السوري أن تُضحّي بالمزيد من الأرواح البريئة تحت سيوف القتل وبركان الدمار ليبقى طاغية دمشق جالساً على كُرسيّ الدم وسط صمت العالم.. بل بموافقته.

 

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.