قمة سلمان – أوباما ومستقبل الشرق الأوسط

عادل سليمان
في كلمته القصيرة فى بداية أول لقاء قمة بين العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز، والرئيس الأميركي، باراك أوباما، في البيت الأبيض، أشار العاهل السعودي، في لفتةٍ ذات مغزى، إلى أول قمة سعودية – أميركية، وكانت بين الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود، والرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، والتي عقدت على متن الطراد يو إس إس كوينسي، في البحيرات المرة المصرية، في 14 فبراير/شباط 1945، وقد يفهم بعضهم هذه الإشارة على أنها تعبير عن عمق العلاقات بين البلدين، وهذا صحيح. لكن، علينا أن نتذكّر أنه ما بين قمة عبدالعزيز – روزفلت، وقمة سلمان – أوباما، وعلى مدى السبعين عاماً التي مرت بينهما، عقدت عشرات القمم الأميركية – السعودية.
وهنا، لا بد من طرح سؤال مهم، عمّ دفع الملك سلمان إلى الإشارة إلى القمة الأولى، وهي التي أسست للعلاقات الأميركية – السعودية؟
للإجابة عن هذا السؤال الذي أعتقد أنه شديد الأهمية، وأنه لم يلق ما يستحق من الاهتمام، ولم يلتفت أحد إلى تلك الإشارة، ولا إلى المغزى المقصود منها، على الرغم من أنها تعبر عن القيمة الحقيقية لهذه القمة، وما قد يكون تم التوصل إليه من اتفاقات محددة بين الجانبين.
ونعود إلى السؤال، ما الذى دفع العاهل السعودي إلى الإشارة للقاء القمة السعودي – الأميركي الأول؟ وتدفعنا الإجابة، بالضرورة، إلى المقاربة بين القمتين والظروف والملابسات المحيطة بكل منهما؟
سعى إلى اللقاء الأول الرئيس روزفلت، والحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، بانتصار الحلفاء، وقبل أشهر قليلة من الحسم النهائى للحرب (باستخدام السلاح النووي الأميركي وضرب هيروشيما وناغازاكى واستسلام اليابان فى أغسطس 1945، وكانت ألمانيا قد سبقتها بالاستسلام في 7 مايو من العام نفسه).
وكان العالم يستعد لعصر جديد يحكمه نظام عالمي مختلف، والشرق الأوسط، أيضاً، على أبواب تغيرات حادة جيوسياسية، تتمثل فى التمهيد لقيام الكيان الصهيوني، وتحوله إلى دولة يهودية، برعاية القوى المنتصرة فى الحرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفييتي (السابق) وباقي الحلفاء الغربيين، وأهمهم بريطانيا وفرنسا، وتغيرات جيوستراتيجية، تتمثل في تغيير موازين القوى الإقليمية في المنطقة، مع بوادر ظهور الاكتشافات البترولية الواعدة في صحراء المملكة السعودية، خصوصاً، ومنطقة الخليج. ومن هنا، كان اتجاه روزفلت إلى لقاء الملك عبد العزيز، خصوصاً، وليس أي ملك أو زعيم سياسي عربي آخر. فعلى الرغم من أن اللقاء تم في البحيرات المرّة المصرية. لم يكن هناك أي لقاءات مع أي مسؤول مصري على أي مستوى. وأيضاً أعقب ذلك اللقاء لقاء آخر بين الملك عبد العزيز ورئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرشل، على الأرض المصرية، وتحديداً في فندق الأوبرج على بحيرة قارون في منطقة الفيوم. ولا أحد يعلم ما تم فى هذه اللقاءات من اتفاقيات وتفاهمات حول مستقبل المنطقة، ودور المملكة السعودية المنتظر، وطبيعة التحالفات الدولية معها؟ وفقط من باب المجاملة، قام الملك عبد العزيز، في أثناء عودته من الفيوم، ليستقل المدمرة الأميركية، يو إس إس ميرڤي، من البحيرات المرّة عائداً إلى جدة، زار الملك فاروق الذي أعد له حفل استقبال مناسب في قصر عابدين. ولابد من الإشارة، هنا، إلى عمق مشاعر الملك عبدالعزيز تجاه مصر، والتي كان يطلق عليها وادي النيل، وتجاه ملكها فاروق، والذي دعاه إلى زيارة خاصة إلى مصر، رحب بها العاهل السعودي، وتمت بالفعل في العام التالي.
ماذا تم في تلك القمة الأميركية – السعودية الأولى؟ وما الموضوعات التي نوقشت؟ وما الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين؟ وكان علينا أن نرجع إلى ما سجله المترجم الخاص، الكولونيل البحري الأميركي، وليم إيدي، وبعض شهود العيان ممن حضروا اللقاء، مثل الشيخ يوسف ياسين، مستشار الملك، وهما فقط من حضر لقاء القمة الذى استمر نحو خمس ساعات، حيث أصدر الكولونيل إيدي كتاباً عن اللقاء بعد حوالي عشر سنوات في عام 1954.
تركّزت المحادثات حول قضايا محددة، أولها القضية الفلسطينية، حيث طرح روزفلت على الملك المشكلة اليهودية في أوروبا، وطلب منه تأييد هجرة اليهود وإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، مع قرب انتهاء الانتداب البريطاني عليها. وكان رفض عبدالعزيز قاطعاً وحاداً بعد حوار طويل، وانتهى بتعهد روزفلت بعدم اتخاذ موقف أميركى قبل التشاور مع العرب، بينما ركّز الملك على ضمانات استقلال سورية ولبنان بعد انتهاء الحرب، ولم ينته اللقاء بعقد اتفاقيات أو معاهدات مكتوبة، ولكن، بالاتفاق على رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة بعد الحرب، وعلى تأكيد التحالف الاستراتيجي السعودي الأميركي، وهو ما تم تطويره وتنميته، على مدى العقود السبعة الماضية، والذى يبدو أنه اكتسب قوة ومناعة كبيرة.
وتأتي قمة سلمان – أوباما، والشرق الأوسط يمر بمرحلة جديدة فارقة، يشهد فيها أكبر وأخطر عملية إعادة هيكلة للنظم السياسية القائمة، والتي سيترتب عليها حتماً بناء شبكة توازنات جديدة، فى شرق أوسط جديد، ما يتطلب مراجعة العلاقات بين أميركا، وهي التي تقود النظام العالمي، والسعودية التي تسعى إلى أن تكون محور ارتكاز رئيسي في المنطقة، بحكم أنها القوة العربية الأقوى اقتصادياً، والأكثر استقراراً سياسياً واجتماعياً، والأكثر نفوذاً معنوياً، بحكم رعايتها الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وأخيراً، أضافت المملكة إلى ذلك كله أنها قوة عسكرية ذات اعتبار، بعد تنظيمها وقيادتها حملة عاصفة الحزم.
لذلك كله، كانت إشارة العاهل السعودي، فى بداية لقائه الرئيس الأميركي، يذكّره بالقمة السعودية الأميركية الأولى، وأن قمتهما هذه لا تقل عنها أهمية، إن لم تكن تفوقها.
ما الذي تم في لقاء القمة؟ وما القضايا التي تم طرحها؟ خصوصاً وأن قضية فلسطين ما زالت قائمة؟ وما زالت سورية ومستقبلها محل نقاش؟ وما الذي ستسفر عنه القمة بعد أن عاد الملك سلمان إلى منتجعه في طنجة، ولم يقرر الالتقاء بأحد، كما فعل والده الذى التقى تشرشل، ثم التقى فاروق ملك مصر عقب قمته مع روزفلت. هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
العربي الجديد
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.