قمة رباعية بشأن الملف السوري، ماذا تخبئ للشمال؟

هل ثمة حلٌّ وسط ينهي ملف الشمال المحرر، وكيف سيكون الدور التركي فيه؟

اﻷيام؛ فرات الشامي

الغموض الذي كان يحيط بالملف السوري بدأ يتبدد، وبات ملمح المرحلة المقبلة يتجه للتبلور بصورةٍ تدريجية، الحصص وزِّعت على الطهاة، والقصعة اﻷخيرة “إدلب” تنتظر على نارٍ هادئة.

زعماء الدول اﻷربعة، روسيا وتركيا، وفرنسا وألمانيا، يستعدون لعقد قمة رباعية خاصة بالشأن السوري، بحسب ما صرحت وزارة الخارجية الروسية، يوم أمس الاثنين الثالث عشر من آب/أغسطس الجاري، دون تحديد موعدٍ مكتفيةً بالقول: “إنه من المقرر في المستقبل القريب”.

ما يعني أنّ ثمة ما يحاك في العتمة، ﻻ يمكن إظهاره مؤقتاً، حتى تستكمل تلك الدول الترتيبات السياسية واللوجستية والعسكرية بطبيعة الحال لمواجهة كل اﻻحتماﻻت، ولعلّ المهمة المتعلقة بهذا التنسيق ملقاة على عاتق وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، الذي يزور أنقرة يومي الاثنين والثلاثاء 13 و14 آب/أغسطس الجاري؛ لبحث الاجتماع الرباعي مع نظيره التركي.

على اﻷرض، توحي التحركات التركية المكثفة على الخطين الدبلوماسي والعسكري، وما يترشّح من تسريبات في الداخل بأنّ حكومة أنقرة ما تزال تمسك بملف الشمال المحرر.

تفيد التسريبات التي انتشرت في الداخل السوري “الشمال المحرر” عزم أنقرة على تجنيب المنطقة كارثة إنسانية، وهو ما تؤكده خطواتها ومحاولاتها الحثيثة لتوحيد فصائل المعارضة السورية المسلحة ضمن جيش وطني في إدلب. ولعلّ ما صرح به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قائلاً: ((أقامت تركيا نحو 12 موقعاً عسكرياً للمراقبة؛ لتجنب حدوث “كارثة”، كتلك التي وقعت في مناطق أخرى من سورية)). يشير بوضوح إلى ذلك.

الرغبة التركية في اﻻحتفاظ بنفوذٍ لها ضمن سورية ما بعد الحرب يجعلها متمسكة بقوة بملف الشمال؛ لضمان مصالح مستقبلية أكبر تتلاقى عموماً مع رغبات المعارضة السورية إلى حدٍّ بعيد.

إن شاء الله سنحرر مزيداً من المناطق، ونقيم مزيداً من المناطق الآمنة”، تلميحاتٌ سبقت تحديد موعد القمة الرباعية التي تحدثت عنها وزارة الخارجية الروسية بشأن الملف السوري أطلقها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في مقر حزب العدالة والتنمية بمدينة طرابزون، تزيد من فرضية التأني الدولي بشأن ملف الشمال المحرر، والتخوف من ملف “إرهاب القاعدة” المحتمل؛ مالم يتم إنهاءه قبل أي معركة حقيقية على اﻷرض، يضمن فيها المجتمع الدولي توحّد حقيقي لفصائل المعارضة لمواجهة “الجهاديين”؛ الذين باتوا عملياً الرقم اﻷصعب، ولهم شعبياً ما يحمي وجودهم.

الذي يؤخّر تحديد موعد واضح للقمة الرباعية التي تحدثت عنها وزارة الخارجية الروسية، تشير إليه تحليلات نشرتها صحيفة “إكسبرت أونلاين”، الروسية لـ”غيفورغ ميرزايان” حول الإخفاق في تقرير مصير إدلب، خلال اجتماع “ثلاثي أستانا” في سوتشي.

يقول غيفورغ ميرزايان: “رغم أن تركيا لا تنوي احتلال هذا الجزء من الأراضي السورية إلى أجل غير مسمى، إلا أنّ أردوغان لا يريد المغادرة مجاناً”، وهذا يتفق ما ذكرناه سابقاً، بل وتؤكده الدبلوماسية التركية الناعمة مع هيئة تحرير الشام، التي يقودها أبو محمد الجوﻻني، متزعم جبهة النصرة (فتح الشام) سابقاً.

العصا والجزرة، سياسة اﻷتراك مع فصائل المعارضة، إمّا السير في مركب الدبلوماسية التركية، أو التخلّي عن المنطقة، وهذا ما يتعارض مع رغبة الشارع السوري في الشمال، والمتخوّف من عمل عسكري يقوده نظام الأسد بمساندة روسية.

المتابع عن كثب داخل الشمال السوري تطورات الوضع يلاحظ عملياً عجز الحكومة التركية عن احتواء المعارضة المسلحة، لكن ذلك لن يدوم؛ فالشارع يدفع إلى تبنّي الحل التركي، فيما عدا التيار الجهادي طبعاً، فأصحاب هذا التيار سيقولون كلمتهم في حال كان استئصالهم أحد الحلول، ما يعني تفجر حرب أخرى في المنطقة.

الخشية من تفجر اﻷوضاع في الشمال، مع ضعف القدرة لدى ميليشيات اﻷسد في اقتحام إدلب؛ سببه الرئيس ليس النفوذ التركي، بل يمكن التأكيد بأنّ المنطقة تعج بالمناوئين للأسد، من شتى المشارب الفكرية، الوطنية والجهادية، وحيث ﻻ مكان آخر بعد الشمال سيأويهم باتت المعادلة الشكسبيرية “أكون أو ﻻ أكون” حاكمةً فارضةً وجودها؛ ما سوف يصعّب استرجاع السيطرة على المحافظة.

العمل العسكري من طرف النظام السوري لن يكون نزهةً كما حدث في درعا، إلا في حال “التسليم”، وهو أمرٌ غير مستبعد.

اﻻعتبارات والعوامل السابقة على ما يبدو، هي التي أفضت إلى ميل موسكو ونظام اﻷسد لقبول “الحل التركي الوسط”، وهذا بالضبط ما أشار إليه التحليل الذي نشرته صحيفة “إكسبرت أونلاين” الروسية: “اتفقت دمشق وطهران وموسكو على تأجيل الهجوم مؤقتاً على إدلب، والسماح لتركيا نفسها بالتعامل مع التهديدات التي تنبثق من جماعات إرهابية منفصلة في المنطقة”.

الوضع اﻻقتصادي المتردي الذي يعصف بالليرة التركية، وباعتبار أنّ أنقرة منفردة أمام الثنائي “موسكو-طهران” بالنسبة لرؤيتهم حول الملف السوري، سوف يجعلها ويبقيها “الحلقة اﻷضعف في المعادلة”؛ ولعلّ استمرار تدهور عملتها الوطنية، والعزلة أو الخصام مع واشنطن، سيؤدي في وقتٍ لاحق إلى تنحي اﻷتراك عن الملف السوري.

مصدر عرب 48 عربي 21
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.