قطاف الزيتون وكرم المزارعين يظهر مع تقليد “الزنانة”

يُعد تشرين الأول من كل عام، بداية قطاف ثمار الزيتون في مدينة إدلب الخضراء، فيتسارع المزارعون وعائلاتهم للاستعداد للموسم الذي يحتل أهمية تراثيّة واقتصاديّة كبيرة.

الأيام السورية| بيان بيطار

اعتادت عائلة “أبي محمود” أن تجّتمع مع الأقارب والأصدقاء؛ ليتعاونوا على قطف الزيتون من دون الإضرار بالشجر، ثم جمعه وتعبئته في صناديق أو أكياس خاصة به؛ ليتمّ إرساله إلى المعصرة وتحويله إلى زيت أو زيتون مخلل، عداك عن بيعه لتجار تصدّر الثمار ذات الجودة العالية.

لا يتسلل التعب أو الإرهاق لجسد “أبي محمود” رغم اقترابه من سن الثمانين، فهو يقضي نهاره واقف ليقطف الزيتون أو جالساً لفرز الزيتون الأخضر والأسود دون ملل، بعد أن يتمّ جمعه من خلال فرش قطع كبيرة من البلاستيك أو الخيش أو القماش تحت الشجر، لتغطية المساحة الكاملة التي تسقط عليها الحبوب.

تعدّ سوريا ثاني دولة عربية بعد تونس بإنتاج زيت الزيتون البكر، ويمتاز بجودته العالية وانخفاض نسبة الحموضة فيه، بيّد أن طول عمر الثورة السورية، وتعرض الأشجار لثنائية الحصار والنار، أثّر سلباً على فائضه وكمية إنتاجه.

بيدين خشنتين شهدتا ردحاً من السنين، يأتي أبو محمود بالخبز ويغمره داخل وعاء من النحاس القديم المليء بالزيت المعصور حديثاً، والذي يظهر مذاقه الحار واضحاً، ثم يرفعه ويأتي بثمرة الرمان ويقسمها على شكل الوردة المتفتحة، مع حرصه على ألا تسقط بعض الحبات على التراب كما سقطت دموعه الحزينة على أصغر أبنائه “عمر” الذي دفع دماؤه ثمناً لحريتها، يكرر العملية عدّة مرات، وترتسم في عينيه الصغيرتين أمام الحاضرين فرحة نهاية موسمه وهو بكامل الثقة بأن البركة قد حلّت بزيته المستخرج.

ليس أبو محمود المزارع الوحيد الذي يقدّم التقليد السنوي “الزنّانة” كما أشار المزارع “عصام”: “المهم في “الزنّانة” الحالة الاجتماعية بين الفلاحين أنفسهم والعاملين بقطاف الزيتون، حيث تغمرهم الفرحة بمواسم الخير وتبادل التهاني بالإنتاج”.

ويضيف: “تشير الزنّانة إلى الكرم الذي يتمتع به المزارعون، وقد يلجأ أغلبهم لاستخدام أكثر من (5 إلى 6) كغ من زيت الزيتون لطقوس هذه الأكلة الشعبية المورثة”.

على الرغم من شهرة مدينة إدلب بزراعة الزيتون الذي يعدّ المصدر الاقتصادي الرئيس، وسابقاً يدخل في قائمة “المونة” ويتمّ تخزينه في موسمه سنوياً؛ ليكون متوفراً طيلة العام إلا أنّ الأهالي اليوم يعانون من مشاكل عديدة أهمها: عدم وجود أماكن للعصر، فهي إما مغلقة بسبب تهجير أصحابها أو فقدانهم بظروف صعبة من اعتقال أو موت نتيجة القصف أو مهدمة أو مهددة بالقصف.

في موسم قطف الزيتون، تقوم بعض العائلات المالكة لمساحات كبيرة من الزيتون، والعائلات التي لا تملك اليد العاملة الكافية لقطف ثمار الزيتون، بتسليم بساتينهم لمتعهدين أو مزارعين آخرين، للقيام بعملية القطف وعصر ثمار الزيتون مقابل نسبة من الإنتاج، والتي تعرف عادة بما يسمى “الضمان” وذلك يحدده موسم الحمل، وبعد البستان عن الطرق الزراعية والمعاصر، ومعدّل الأجور، وأسعار الزيت في الأسواق.

كما أنّ لكل مزارع طريقته الخاصة في قطف الزيتون وتخزينه: ففي حين يفضّل بعضهم وضع الثمار في أكياس، يعتبر آخرون أن ذلك يؤدي إلى تخمّر الزيتون سريعاً، مفضلين بدلاً من ذلك وضعه في صناديق بلاستيكية أو فلينية.

ورغم تبدّل الأحوال مع مضي سنين الحرب السورية الدامية، فإن هذا المسن يؤكد للأيام السورية أنّ موسم الزيتون ما زال يحافظ على رونقه وجماله الخاص، ومازال زيت الزيتون يزين موائد ومأكولات الأهل في المدينة بلونه المميز وطعمه اللذيذ، بالرغم من ارتفاع ثمنه مقابل دخلهم المحدود”.

يتكئ “أبو محمود” على عكازه بيده اليسرى ويشير لزوجته بيده اليمنى؛ لتسرع بملأ ما يسمى “قرطال القش” بحبات الزيتون، وتمنحها لنازحين بالجوار قد نصبوا خيمتهم بالقرب من بستانهم.

من يمتلك أرضاً من أشجار الزيتون يدرك تماماً، ما فعله أبو محمود، حيت تمتزج فرحة عطاء الأرض بفرحة قلبهم المفعم بالحياة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.